الثعبان الذي يعض ذيله ...

 

 ملحق(1)

الثعبان الذي يعض ذيله ! أو كيف تعود المادة إلى حالتها السديمية الأولى وما هو دور الفكر في هذه العملية؟

بقلم: منودي المختار.


للمشاهدة على اليوتوب

 

       ما الذي يجعل اليوم من دراسة إليينكوف كوسمولوجيا الروح ودراسة إنجلز ديالكتيك الطبيعة دراسات راهنية؟ نطرح هذا التساؤل لأننا نعي جيدا أن هناك أطروحة سائدة اليوم في بعض الأوساط اليسراوية والتي تقول بأن ما ينبغي معالجته اليوم ينبغي ان يحمل طابعا "واقعيا" و"معاصرا"، أي أنه ينبغي على النظرية ان تهتم اولا وقبل كل شيء "بما يحدث"، كالحرب على فلسطين وإيران التي تقودها النظم الامبريالية والفاشستية. وبالتالي فإن قضايا "كالانثروبي" او "قانون الفناء" او "الموت الحراري" بل وحتى الاهتمام بالابحاث والدراسات الماركسية التي لا تحمل علاقة مباشرة مع ما يسمونه "الواقع المعاصر" تحاكم باعتبارها غير راهنية.

         لكن هذا الموقف يفترض تعارضا زائفا: إما الانخراط في قضايا الحاضر أو الاتشغال بدراسة كوسمولوجيا الروح وديالكتيك الطبيعة. إن التفكير في الطبيعة والكون –من منظور ماركس، انجلز، لينين وإليينكوف- ليس هروبا من الواقع، وإنما تفكير في حدوده، أفقه وإمكاناته. إن ديالكتيك الطبيعة وكوسمولوجيا الروح يقدمان مبدأ حاسما: إن الانسان بما هو فكر وعمل وإنتاج هو ذروة التطور المادي الكوني، وبالتالي يمكن للإنسان أن يعكس ويعيد توجيه هذا التطور. ومن هنا راهنية هذه الدراسات. كيف يمكن لنظم اجتماعية محددة (الامبريالية العالمية والدول الفاشيستية) أن تنتج وفرة هائلة ثم تحولها إلى أزمات وحروب؟ تجيبنا هذه الدراسات على النحو الاتي: طالما بقي النشاط والعمل الإنسانيين خاضعا لقوى غير مسيطر عليها (السوق، التنافس الامبريالي، تراكم رأس المال) فإن الحروب والأزمات ستظل سيدة الموقف.

          وعلى العكس تماما، فإن النظر الكوني-الجدلي يُعمق فهمنا لما يجري الآن (ومن ذلك مثلا ما يحدث في فلسطين المحتلة وإيران): فهو يكشف أن التناقض ليس فقط سياسيا ظرفيا، بل متجذر في شكل تاريخي للإنتاج يجعل السيطرة الواعية على قوى الطبيعة والمجتمع ناقصة ومشوهة. بمعنى آخر، الحديث عن "الأنثروبيا" أو "الفناء" لا يبعدنا عن الحاضر، بل يضعه داخل قانون أعم: إما أن تتحول قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة إلى سيطرة واعية على شروطه الاجتماعية (تنظيم الإنتاج، إنهاء الفوضى التنافسية)، أو تنقلب هذه القدرة إلى قوى تدميرية تهدد وجوده نفسه. وهنا تصبح الكوسمولوجيا مسألة سياسية: لأنها تحدد ما إذا كان "الدماغ المفكر" سيستمر كقوة واعية في الكون، أم سيتحول—بفعل تناقضاته غير المحلولة—إلى لحظة عابرة في تاريخ المادة.

كيف تتحدد علاقة الفكر بالمادة في الديالكتيك المادي؟ وما هو أساس التمييز بين المادة بوصفها جوهرا او كلا والمادة بوصفها جزءا؟ ما الذي يميز الديالكتيك المادي (سبينوزا، انجلز) في نظرته للفكر وللمادة عن المادية الميكانبكبة (غاليلي، نيوتن، هولباخ إلخ)؟

يمكننا القول أن هذه التساؤلات تعبر عن نقطة انطلاق إليينكوف في كوسمولوجيا الروح. وهي تساؤلات تنتمي اساسا الى مجال الأونطولوجيا الجدلية. وكأننا أمام مشروع نظري يتأسس على فكرة مفادها انه من أجل فهم الكون، او فهم دور الفكر-الروح في الكون او المادة الكونية، ينبغي اولا فهم المادة اونطولوجيا في علاقتها بالفكر.

علينا ان ننطلق اذن من اونطولوجيا الروح لنصل الى كوسمولوجيا الروح.

إن ما يميز الديالكتيك المادي عن المادية الميكانيكية (جاليلي، نيوتن، هولباخ إلخ) يتحدد في النظر الى الفكر لا بوصفه خاصية عرضية أو حادث خالص كان من الممكن ألا يوجد (contingent)، وإنما في النظر إليه باعتباره خاصية جوهرية من خصائص المادة. إنطلاقا من المعنى الذي أعطاه سبينوزا لمفهوم attribut "الخاصية" –كما سبق لنا ملاحظة ذلك في دراسة إليينكوف-.

وبالتالي فإن الديالكتيك المادي ينظر الى المادة المفكرة أو الفكر باعتبارها الشكل الأعلى لحركة المادة وتطورها، الحد الأقصى لتعقيد التنظيم وأرقى حالة لتنظيم التفاعلات. فإذا كانت المادة تتحرك عبر مستويات (الحركة الميكانيكية، الحركة الفيزيائية، الحركة الكيميائية، الحركة البيولوجية ثم الفكر) وكل مستوى من هذه المستويات يمثل تعقيدا أعلى في تنظيم المادة، فإن الفكر يمثل هنا الشكل الأرقى وأداته هي الدماغ البشري. ولايمكن هنا من منظور الديالكتيك المادي افتراض وجود شكل أعلى من الفكر، فعنذئذ سيكون هذا الشكل بالضرورة أكثير تعقيدا وتنظيما من الفكر وخارج قدرته على الفهم والضبط، أي ان هذا الشكل سيكون غير قابل للمعرفة، مما يعني ان هذا القول سيؤدي بنا نحو الفلسفة الريبية (الشكية) والنزعات اللاأدرية.

إذن، إذا كان الدماغ المفكر هو أعلى شكل لتنظيم المادة، والفكر هو كذلك أعلى مستوى يمكن ان تصل إليه المادة الكونية، فما الذي يبقى بعد هذا الحد المطلق من التطور (الدماغ البشري- الفكر)؟ ما يبقى هو احتمالية الطريق نحو الأسفل: الإنحدار. إما الإنحدار إلى مستوى بيولوجي-فيسيولوجي في حالة التدهور العقلي، أو الإنحدار إلى مستوى كيميائي بسيط في حالة الموت الفيسيولوجي للدماغ.

إن استحالة تجاوز الفكر كأعلى شكل للحركة تعني استحالة تصور تطور خطي لا نهائي، وهو ما يفرض الانتقال إلى تصور دائري للحركة الكونية. فبلوغ القمة لا يفتح أفق صعود جديد، بل يؤدي إلى انعطاف جدلي نحو الانحلال، الذي يشكل بدوره لحظة ضرورية في إعادة إنتاج الدورة الكونية. وهكذا لا تتحقق اللانهاية في الامتداد الصاعد بلا نهاية، بل في الدائرة التي يعود فيها أعلى أشكال التطور إلى أدناها، ليؤسس من جديد شروط صعود آخر.

لعل واحدة من النقاط الايجابية التي تميز إليينكوف عن الماركسية الغربية (غرامشي، لوكاتش، كوليتي، ألثوسير إلخ) تتحدد في استيعابه الجدلي للعلاقة القائمة بين فكر سبينوزا وفكر هيجل. عند سبينوزا نجد تحديدا فكرتين أساسيتين سيأخذهما هيجل بعين الإعتبار: الاولى تتعلق بقوله ان "كل تعين سلب" أما الثانية فترتبط بمفهومه عن اللامتناهي. فمثلا عند تحديد (او تعيين) شيء ما فنحن نقوم بفصله عن دائرة الموجود، أي نقوم بحده. عندما أقول أن هذا الشيء أخضر –على سبيل المثال- فهذا يعني انني حددته وفصلته عن دائرة الأزرق أو الألوان الأخرى غير الأخضر. إذن التحديد سلب. إن هذا المبدأ الجدلي نجد تعبيره الأول عند سبينوزا ثم نجد تعبيرا عنه عند هيجل في شكل الصورة المقابلة: كل سلب تحديد (او تعين). الاثبات يتضمن النفي والنفي يتضمن الاثبات. (تلازم النفي والايجاب وتلازم التحديد والسلب). لهذا السبب يتحدث هيجل عن "قوة السلب الهائلة" بالمعنى الذي يكون فيه السلب قوة خلق وشرطا ضروريا لظهور العالم الى الوجود.

أما فيما يخص مفهوم "اللامتناهي" فلقد كان التقليد الفلسفي الشائع يرى ان اللامتناهي هو اللامتعين (اللامحدد)، اي انه هو الذي ليس له نهاية، غير محدد وغير متعين. عند سبينوزا اللامتناهي ليس هو اللامتعين وإنما المتعين بذاته. وهذه هي واحدة من الأفكار الاساسية التي نجدها عند هيجل بخصوص مفهوم اللامتناهي. ومن هنا يميز هيجل بين "اللانهاية السيئة" التي تقوم على تكرار كمي لا ينتهي، و"اللانهاية الحقيقية أو الملموسة" التي تتخذ شكل دائرة يعود فيها الشيء إلى ذاته عبر التحول. هذه الدائرة الجدلية، التي يرمز لها بصورة الثعبان الذي يعض ذيله، تعبر عن حركة يكون فيها الفناء نفسه لحظة ضرورية لإنتاج شكل جديد، بحيث يغدو النفي شرطا للإثبات، والانتهاء شرطا للاستمرار.

انطلاقا من هذا الأساس، يقوم إليينكوف بتحويل هذا التصور الجدلي إلى مستوى كوسمولوجي، حيث لا يفهم الكون كخط مستقيم ينتهي بالفناء، ولا كدورات ميكانيكية متكررة، بل كدائرة جدلية كبرى تمر فيها المادة بمراحل: من التطور إلى ظهور الفكر كأعلى أشكالها، ثم إلى الانحلال الذي لا يمثل نهاية مطلقة، بل لحظة ضرورية في إعادة إنتاج الكون نفسه. فالفكر، باعتباره أرقى تنظيم للمادة، لا يشكل مجرد عرض عابر، بل حلقة أساسية في هذه الدائرة، حيث يتحول موته إلى شرط لإطلاق دورة كونية جديدة. وهكذا تتجسد "اللانهاية الحقيقية" في كون يعيد إنتاج ذاته عبر التناقض، حيث يصبح الفناء فعلا خلاقا، وتغدو الدائرة الكونية تعبيرا عن وحدة الضرورة والصيرورة، لا عن تكرار فارغ أو نهاية مغلقة.

يمكن الآن، في ضوء هذا التصور الجدلي للدائرة الكونية، العودة إلى فرضية إنجلز حول نشأة وتجدد الأنظمة الكونية من السديم الغازي المتوهج. فكما يوضح إنجلز في ديالكتيك الطبيعة[1]، فإن المادة الكونية لا تسير في خط مستقيم نحو "الموت الحراري"، بل تخضع لحركة دورية يتم فيها تحول المادة المتناثرة والباردة في الفضاء إلى تكاثفات غازية ملتهبة (سديم)، تنشأ منها من جديد النجوم والأنظمة الكوكبية. غير أن هذا التصور، رغم طابعه الجدلي، ظل عند إنجلز ناقصا من حيث تحديد الآلية الملموسة التي يتم عبرها الانتقال من التشتت الحراري إلى إعادة التركيز الطاقي.

هنا بالضبط يتدخل مشروع إليينكوف في كوسمولوجيا الروح ليمنح هذا الحدس الكوسمولوجي بعدا جدليا أكثر تحديدا، وذلك عبر إدخال المادة المفكرة (الفكر) كحلقة وسيطة ضرورية في هذا التحول. فإذا كانت فرضية إنجلز تضع أمامنا ضرورة عودة المادة إلى حالة السديم المتوهج (الحد الأدنى للتطور)، فإن إليينكوف يسعى إلى تفسير هذه الضرورة انطلاقا من موقع الفكر نفسه داخل الدائرة الكونية، بحيث لا يعود الفكر مجرد نتيجة عرضية لتطور المادة، بل يصبح شرطا لإعادة إنتاجها. وبهذا المعنى، فإن "الثعبان الذي يعض ذيله" لا يرمز فقط إلى عودة المادة إلى ذاتها، بل إلى عودة تمر عبر لحظة عليا هي الفكر، الذي يتحول—في لحظة موته—إلى قوة تفجير تعيد المادة إلى حالتها السديمية الأولى.

إن الربط بين إنجلز وإليينكوف يكشف إذن عن انتقال نوعي: من تصور للدائرة الكونية بوصفها حركة طبيعية عامة للمادة، إلى تصور أكثر تعقيدا تصبح فيه هذه الدائرة غير مكتملة بدون تدخل أعلى أشكال الحركة، أي الفكر. وهكذا، فإن السديم عند إنجلز يمثل بداية ونهاية الدورة الكونية، بينما يصبح عند إليينكوف نتيجة لعملية جدلية يساهم فيها الفكر نفسه بوصفه لحظة ضرورية في إعادة إطلاق الدورة. بهذا المعنى، لا تعود "اللانهاية الحقيقية"  مجرد عودة دورية، بل تصبح عودة مؤسسة على التناقض بين أعلى درجات التنظيم (الفكر) وأدنى حالات التشتت (السديم)، حيث يتحول الأول إلى شرط لظهور الثاني من جديد.

إذن، إذا كانت الانسانية، أي الدماغ المفكر، أرقى شكل لتطور الطبيعة، فهل تخضع كغيرها لقانون الفناء[2]؟

إن عبارة مفيستوفيلس في فاوست "كل ما يولد يستحق الفناء" (التي نجدها في مقدمة انجلز وفي دراسة إليينكوف) لا ينبغي ان تفهم هنا كموقف عدمي، بل كتعبير أدبي عن قانون جدلي عام هو "قانون الفناء". فكل شكل محدد هو مؤقت لأنه نتاج شروط محددة، ومع تغير هذه الشروط يمكن ان يزول او ان يتحول. من هذا المنظور، نشأة الانسان بوصفه دماغا مفكرا لم تكن معجزة خارج الطبيعة، وانما نتيجة لسلسلة من التحولات: كونية، كيميائية، حيوية واجتماعية. وبما ان كل مستوى مشروط ببنية مادية وتوازنات طاقية معينة (حرارة الكوكب، استقرار النجم، البنية البيولوجية، نمط الانتاج) فإن زوال هذه الشروط –سواء بفعل تطور الشمس، أو تغيرات كوكبية، او تناقضات إجتماعية مدمرة- يجعل نهاية الشكل الانساني ممكنة، بل "ضرورية" بالمعنى الجدلي: أي غير أبدية، ومقيدة بحدود تاريخية-مادية.

ها هنا تظهر لنا لنا أهمية فرضية إنجلز "التبريد التدريجي للشمس والأرض" بوصفها الأفق الجدلي الاساسي. لكن إليينكوف سعتبر أن هذه الفرضية لا تأخذ بعين الاعتبار أنه مع مرور الزمن لن تبقى الانسانية "لعبة طيعة" للظروف الطبيعية الخارجية، بمعنى انه بمقدور الانسانية ايجاد وسائل جديدة باستمرار، مع تقدم العلم والتقنية والمجتمع، لتحرير احتياطيات الحرارة، الحركة، والطاقة المختزنة في أشكال أخرى غير الاشعاع الشمسي المباشر. من هنا وجود تعارض بين فرضية التبريد التدريجي للأرض والشمس التي طرحها إنجلز (اي زوال الانسانية او الدماغ المفكر بفعل نقص في الطاقة أو الحرارة أو الحركة) وبين تطور القوة الانسانية في السيطرة على البنى الداخلية للمادة.

من هنا كان إليينكوف مطالبا بتجاوز هذا التصور "المجرد" الذي عبر عنه انجلز بخصوص نهاية الدماغ المفكر او الانسانية. فبدل صورة "البرودة النهائية" (موت حراري)، يقترح إيليينكوف إمكانية انتقال معاكس تستعاد فيه حالة "الغاز الملتهب/السديمي" كنقطة انطلاق لدورة كونية جديدة—أي إن النهاية قد تأتي من فيض مُركز للطاقة لا من نفادها. الفكرة هنا ليست قلبا ميكانيكيًا للقانون الفيزيائي، بل قراءة جدلية لكون لا يسير في خط واحد نحو التوازن، بل يمر عبر تحولات نوعية حيث يمكن لتراكمات الطاقة (في نجوم، أو في عمليات كونية قصوى) أن تطلق طورا جديدا من التنظيم.

والجديد عنده أن هذا"“الفيض" لا يُفهم كحدث طبيعي أعمى فقط، بل كأفق قد يتقاطع مع نشاط المادة الواعية نفسها: إذا كان "الدماغ المفكر" هو أعلى أشكال تنظيم المادة، فإن ذروة تطوره قد تعني القدرة على التدخل في مسارات الطاقة على نطاق كوني—أي المساهمة في إطلاق شروط دورة جديدة بدل الانطفاء السلبي. هكذا تصبح نهاية الإنسانية، في صورتها القصوى، ليست مجرد زوال بسبب نقص الشروط، بل احتمال تحول فعّال: إما أن تبلغ القدرة الاجتماعية-العلمية مستوى يوجه هذا الفيض توجيها خلاقا (فتكون "النهاية" لحظة انتقال)، أو تبقى هذه القدرة غير مُنظمة فتتحول الطاقات نفسها إلى قوة تدمير. بهذا المعنى، يستبدل إيليينكوف حتمية "التبريد" بأفق جدلي مزدوج: إما انفراج نحو دورة أعلى من التنظيم، أو انفجار غير متحكم فيه يقطع مسار الدماغ المفكر.

إن الفناء، والتدمير، والنهاية، واختفاء المادة المفكرة تبقى، في هذه الحالة أيضا، أمورا لا رجعة فيها. وتظل مبادئ الجدل والمادية قائمة هنا بالكامل. غير أن الصورة الملموسة لهذه النهاية تبدو مختلفة إلى حد كبير. وقبل كل شيء، فإن حدود وجود المادة المفكرة تمتد قليلا في الزمن. فالنهاية الحتمية ستقع لاحقا من هذا المنظور (وإن كان هذا "اللاحق" يعني في الحقيقة ملايين السنين)، وخلال هذه الفترة الإضافية ستتمكن الإنسانية، بلا شك، من تعزيز سيطرتها على الطبيعة أكثر فأكثر، وبلوغ آفاق يستحيل اليوم تخيلها حتى بأكثر الخيالات الشعرية جموحا .

لكن—وهذا أمر مركزي—توجد بالفعل ضمن شروط حل هذه المسألة واقعة نظرية بالغة الأهمية، قد تمر دون انتباه إذا افترضنا أن الإنسانية ستفنى من البرد على أرض متجمدة تدور حول شمس مغطاة بالجليد، غير أننا نود وضعها في الصدارة. إنها مسألة الظروف التي تتحول فيها المادة الكونية، وهي في طريقها إلى التجمد، بالضرورة إلى حالة سديم متوهج، متحولة إلى إعصار هائل تبلغ حرارته ملايين الدرجات، وتجمع في مركزها كل الاحتياطات المشعة والمبعثرة من الحركة، مانحة بذلك حياة جديدة للمادة الكونية في الفضاء، بعد أن لفظت أنفاسها في صحراء ما يسمى بالموت الحراري.

إن أصل هذه الدورة الجديدة لتطور المادة الكونية يكمن في النقطة التي تعود فيها المادة—بعد أن تكون قد تشتتت بفعل إشعاع النجوم وحركتها الذاتية—لتتجمع من جديد في هيئة سديم دوار متوهج، مركزة في مركزها كل الجسيمات والطاقة الحركية التي كانت قد تفرقت سابقا في الفضاء: وهنا يتبين أن هذا يشكل الحد المطلق الذي تختفي فيه حتما كل الشروط التي يمكن في ظلها أن يوجد الفكر.

إن نهاية المادة المفكرة تتزامن، من حيث الزمن والظروف، مع بداية دورة جديدة لتطور المادة على النطاق الكوني، أي عند النقطة التي يحدث فيها الانبعاث الناري لعوالم كانت في طور الموت.

هذه النقطة التي تكون فيها المادة والحركة—وقد انفصلتا بفعل الإشعاع—قد عادتا إلى نوع من التمركز والتكاثف في شكل كتل متوهجة وغازات وأبخرة إعصارية، هي النقطة التي يجب عندها أن تختفي المادة المفكرة اختفاء حتميا مطلقا.

غير أن مسألة السيناريو الملموس لنهاية الإنسانية، أي اختفاء المادة المفكرة، تُطرح أيضا بشكل ضروري ولا مفر منه بالارتباط مع الشروط الطبيعية لتلك العملية التي تولد فيها العوالم من جديد بعد أن تموت "موتا حراريا".

بعبارة أخرى، فإن شروط الانبعاث الناري للأنظمة الكونية هي في الوقت نفسه الشروط التي يصبح فيها موت المادة المفكرة—أي الفكر—أمرا لا مفر منه على الإطلاق. فالمسألتان تندمجان في مسألة واحدة.

والأكثر إثارة للاهتمام أن كلا من هاتين العمليتين، إذا نظر إليهما على حدة وبشكل مجرد، لا تزالان دون حل علمي، وربما—وهنا تقوم فرضيتنا—تكونان غير قابلتين للحل من حيث المبدأ إذا عولجتا بشكل منفصل.

لقد توصلنا إلى أن مسألة موت الدماغ المفكر لا يمكن حلها خارج الشروط التي يخلقها تطور الأنظمة الكونية التي تجري داخلها تاريخية تطور الفكر، وخلصنا إلى أن الحتمية المطلقة لهذه النهاية تتطابق مع بداية الانبعاث الناري الجديد للعوالم التي فنيت بفعل "الموت الحراري".

علينا الآن أن ندرس المسألة من منظور آخر: من زاوية المصائر الخاصة للأنظمة الكونية. أليس هذا المشكل غير قابل للحل ما لم نبحث في تلك العوامل التي أدخلها مسار العملية الشاملة للفكر، أي تلك الشروط التي أنشئت بمشاركته الضرورية؟

يمكن تلخيص وتكثيف أطروحة إليينكوف هنا عبر ثلاث أفكار جدلية مترابطة:

 توحيد مسألتي "النهاية" و"البداية" في عملية واحدة:

ينتقد إليينكوف النظر إلى فناء "المادة المفكرة" (الإنسان/الوعي) كقضية منفصلة عن تطور الكون. لذلك يربطها مباشرة بآلية التحول الكوني نفسها: ما يسمى "الموت الحراري" ليس نهاية مطلقة، بل طور تعاد فيه بعثرة الطاقة، يعقبه—في لحظة لاحقة—إعادة تركيز هائلة للطاقة في سديم ملتهب يطلق دورة جديدة. النتيجة الحاسمة: نقطة انبعاث العوالم الجديدة هي بالضبط النقطة التي تستحيل فيها شروط وجود الفكر. أي أن نهاية الوعي وبداية دورة كونية جديدة ليستا حدثين منفصلين، بل وجهان لحد واحد في سيرورة المادة.

استبدال "نقص الطاقة" بـ"استحالة التنظيم" كحد مطلق:

بخلاف الصياغة الكلاسيكية عند فريدريك إنجلز التي أبرزت خطر البرودة ونفاد الطاقة، يعيد إليينكوف تعريف المشكلة: ليست القضية مقدار الطاقة، بل إمكان تنظيمها. فالفكر لا يقوم إلا داخل مادة ذات بنية منظمة (إنتروبيا منخفضة). هذه البنية يمكن أن تنهار في حالتين حديتين معا: (أ) التوازن البارد حيث تختفي الفوارق، و(ب) الفيض الحراري العنيف حيث تتحول المادة إلى دوامات مضطربة (سديم ملتهب) لا تسمح بأي استقرار بنيوي. إذن، النهاية لا تنتج عن "قلة" الطاقة فقط، بل كذلك عن فائض يفكك كل انتظام. بهذا ينتقل التحليل من كمية الطاقة إلى نوعية التنظيم.

 

إدخال العامل التاريخي–الإنساني داخل الأفق الكوني:

مع أن النهاية حتمية من حيث المبدأ، إلا أن إيليينكوف يمدد أفقها زمنيا ويجعل مسارها تاريخيا-اجتماعيا: خلال ملايين السنين الممكنة، يمكن للبشرية—بوصفها شكلا واعيا للمادة—أن توسع سيطرتها على تحويلات الطاقة (كيميائية، نووية…)، وأن تبلغ درجات من التنظيم لا يمكن تخيّلها اليوم. لكن هذا لا يلغي الحد، بل يعيد صياغته: إمكانية البقاء مرهونة بقدرتنا على رفع مستوى التنظيم الاجتماعي-العلمي. وفي الحد الأقصى، تتطابق مسألة "مصير الفكر" مع مسألة "مصير الأنظمة الكونية" نفسها؛ أي لا يمكن حل إحداهما دون الأخرى.

 بخلاصة نقول: يبين إليينكوف أن نهاية الدماغ المفكر ليست حادثة خارجية بسيطة (برد الشمس)، بل نتيجة حد بنيوي لتنظيم المادة يظهر عند طرفي السلم: التوازن البارد أو الفوضى الحارة—وعند هذه النقطة تندمج نهاية الوعي مع ولادة دورة كونية جديدة.

اذن ما هو الدور الملموس الذي يمكن للفكر ان يقوم به داخل الدائرة الكونية؟ وهو التساؤل الذي يضعنا مباشرة في قلب فرضية اليينكوف بخصوص امكانية قيام "المادة المفكرة" باطلاق عملية معاكسة للاتزان النهائي (تضحية الفكر).

بالنسبة إلى إليينكوف، لا يقف الفكر موقف المتفرج على "موت حراري" محتوم، بل لحظة تنظم للمادة قادرة—مبدئيا—على التدخل في مصير تدفقات الطاقة نفسها. ومن هنا تأتي الفكرة الحدية: إذا بلغ التنظيم العلمي–الاجتماعي مستوى كونيا، فقد يصبح بإمكان "المادة المفكرة" أن تُسهم في إطلاق عملية معاكسة للاتزان النهائي (أي إعادة تركيز الطاقة بدل تشتتها). في هذا الأفق، ينبغي أن تفهم "تضحية الفكر" لا كميتافيزيقا، بل كتصوير جدلي لدور يمكن أن تبلغ فيه الممارسة العلمية-التقنية حدا تتحول فيه إلى فعل كوني: تسريع/إحداث انتقالات طورية كبرى تعيد تشغيل ديناميات التكون (صورة "العودة إلى السديم الملتهب"). إنها ذروة فكرة أن الوعي هو انعكاس قادر على الفعل: لا يكتفي بفهم القوانين، بل يدخل فيها كعامل.

لكن ينبغي الحذر من قراءتها كبرنامج علمي جاهز. عند إليينكوف هذه فرضية حدية تبرز أمرين:

أن مصير الفكر لا يفهم خارج تنظيمه الاجتماعي (هل تسخر قدراته بوعي أم تترك لقوى عمياء؟).

أن الحد النهائي ليس "نقص الطاقة" بل استحالة الحفاظ على البنية المنظمة في حالات قصوى (برودة توازنية أو فوضى حرارية عاتية). لذلك، حتى فكرة "التضحية" تشير قبل كل شيء إلى أن استمرار الفكر مشروط بكيفية تنظيمه لقوته؛ فإن فشل، قد تتحول نفس القوى إلى أدوات قطع لمساره، وإن نجح، قد يدفع حدود الممكن نحو تدخلات أوسع في مسارات الطاقة.

هناك تقاطع واضح بين هذه الفكرة والكوسميزم الروسي، لكن دون تطابق. فبالفعل، يتجاوب هذا الأفق مع نزعات في الكوسميزم الروسي، خصوصا عند نيكولاي فيودوروف الذي تخيل "المهمة المشتركة" للبشرية في السيطرة على قوى الطبيعة على نطاق كوني، وعند قسطنطين تسيولكوفسكي الذي رأى في العقل "عاملا كونيا للتوسع والتنظيم". كما يوازي ذلك—من زاوية علمية—فكرة "البُنى المُبدِّدة" عند إيليا بريغوجين[3] حيث يمكن للأنظمة البعيدة عن التوازن أن تنتج انتظاما محليا رغم الاتجاه العام نحو زيادة الأنثروبي.

ومع ذلك، يظل إليينكوف مختلفا عن الكوسميزم الميتافيزيقي: فهو لا يتحدث عن "خلاص كوني" أو خلود، بل يبقى داخل المادية الجدلية: لا شيء يضمن النجاح، و"التضحية" ليست قدرا أخلاقيا بل حدا مفهوميا يبين أين يلتقي مصير الفكر مع مصير الكون. إن الدور الذي يمنحه إليينكوف للفكر هو أقصاه—أن يصبح وسيطا واعيا في تحويلات الطاقة الكونية—لكن هذا الدور نفسه يظل مشروطا تاريخيا، ومفتوحا على احتمالين: ترقية مسار المادة نحو دورات جديدة، أو انقطاع هذا المسار بفعل تناقضاته غير المحلولة.

هنا يلعب الفكر دورا "نيغوانثروبيا" (مضادا لزيادة الأنثروبي) بمعنى أنه يحافظ على أشكال عالية التنظيم وينتجها داخل شروط مادية معينة. لكن هذا لا يعني أنه "قوة كونية خارقة" فوق التاريخ؛ بل هو وظيفة لتنظيم اجتماعي-عملي: العلم، العمل، والتخطيط. لذلك حين يقول إن تحقيق المهمة الكونية للفكر يفترض مجتمعا بلا طبقات، فهو لا يقفز إلى الميتافيزيقا، بل يضع شرطا ماديا-اجتماعيا: لا يمكن توجيه قوى المعرفة والطاقة توجيها واعيا طويل المدى ما دامت خاضعة لتناقضات التنافس والتراكم القصير الأمد.

 عند فريدريك إنجلز كان التناقض بين قوى إنتاج هائلة وتنظيم اجتماعي فوضوي؛ إليينكوف يمد هذا التناقض إلى أفق كوني: إن لم يحل إجتماعيا، فإن نفس القوى التي تسمح بالسيطرة على الطبيعة قد تتحول إلى شروط تدمير ذاتي. لذلك فـالمجتمع اللاطبقي ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل صيغة تاريخية لتنظيم واع يجعل القرارات المتعلقة بالطاقة والعلم والبيئة جماعية وطويلة الأفق بدل أن تكون مجزأة وقصيرة النظر. هنا تحديدا يصير للفكر دورا "نيغونثروبيا" فعالا: ليس لأنه يتجاوز القوانين الطبيعية، بل لأنه ينظم تدفقاتها عبر مؤسسات ومعرفة وتخطيط.

من الواضح اذن انه لا علاقة لهذه الفكرة بأي ميتافيزيقا كونية، بل إنه تعبر عن جدل بين الاجتماعي والكوني. السياسة هنا عند إليينكوف هي الوسيط الضروري الذي يحدد ما إذا كان "الدماغ المفكر" سيستطيع تثبيت وتنمية أشكال التنظيم (ضد التبدد)، أم سيظل أسير قوى عمياء تقوض هذا التنظيم. بهذا المعنى، الكوسمولوجيا لا تلغي السياسة؛ بل تظهر أن مصير الفكر (الدماغ المفكر)  كظاهرة كونية يمر عبر شكل المجتمع.

كما أن لا علاقة لها بأي نوع من الغائية الميتافيزيقية، لكن لابد لنا هنا من توضيح مهم حتى لا نقع في لبس. الغائية المرفوضة هنا هي فكرة أن الكون أو التاريخ يسيران نحو غاية مسبقة مفروضة من الخارج (عقل كلي، خطة كونية جاهزة، عناية إلهية إلخ): هذه الفكرة مرفوضة عند كل من فريدريك إنجلز وإليينكوف. فالفكر ليس غاية الكون، وإنما نتيجة تاريخية لتطور المادة، وظهوره لا يضمن استمراره. وحتى عندما يتحدث إليينكوف عن "المهمة الكونية للفكر" فهو لا يشير هنا إلى قدر محتوم وإنما إلى إمكان مشروط. (يمكن ان يتحقق ويمكن أن يفشل)

لكن في المقابل، لا يعني ذلك غياب كل معنى للغابة. فهنالك ما يمكن تسميته بالغائية الداخلية او العملية. فعندما يظهر الفكر، تظهر معه القدرة على التخطيط، المعرفة والتنظيم، أي القدرة على وضع أهداف واعية. وهذه الاهداف والغايات لا تكون مفروضة على الكون على نحو مسبق، وإنما تتحدد باعتبارها نتاج النشاط الاجتماعي نفسه. ومن هنا، يصير بإمكان الانسانية (الدماغ المفكر) أن تعمل ضد الأنثروبي (نيغونثروبيا) ليس لأن الكون يريد ذلك، بل لأن المادة صارت قادرة على ان تعي قوانينها وتتصرف داخلها.

وعليه، حتى فكرة تضحية الفكر بنفسه لإطلاق دورة كونية جديدة لا تفهم كقدر غائي، بل كفرضية حدية[4]: إذا بلغ التطور مستوى معينا، فقد يصبح الفكر قادرا على أفعال ذات طابع كوني، لكن لا شيء يضمن ذلك، ولا شيء يفرضه.

 

ملحق (2):

 خلاصات واستنتاجات

 

إن فكرة إليينكوف عن دور الفكر كمضاد للأنثروبي في الكون لها دلالات عميقة على مستوى الايكولوجيا، وسنقوم الان بتلخيص أهم النتائج النظرية والعملية التي يمكن استخلاصها من هذه الفكرة.

إذا كان بإمكان الفكر أن يعمل ضد الانثروبي عن طريق التنظيم والتحكم في الطاقات والمواد، فإن قضية الاستدامة البيئية ليست مجرد قضية أخلاقية، بل وظيفة مادية، تقنية واجتماعية. فالبشر بإمكانهم التدخل في العمليات الطبيعية بطريقة تحافظ على بنية الأنظمة البيئية المعقدة. وهذه النتيجة تتجاوز هنا مجرد "حماية الطبيعة" إلى إدارتها على نحو واع علميا، بحيث تصبح الأنظمة الطبيعية جزءا من دائرة تنظيم مستدام، وليس مجرد ضحية للقوى العمياء.

حينما يشدد إليينكوف على أن تحقيق دور الفكر على المستوى الكوني يتطلب مجتمعا بلا طبقات أو على الأقل قدرة على التخطيط الشامل والمستمر، فإن هذا يعني، على صعيد الايكولوجيا، أن الأزمات البيئية الكبرى مثل الاحتباس الحراري، فقدان التنوع البيولوجي، أو تدهور الموارد، لا يمكن حلها إلا عبر تنظيم اجتماعي واع وطويل المدى، وليس عبر المبادرات الفردية او السوق الحر.

إن البشر، من خلال العلم والتكنولوجيا، يمكنهم توجيه الطاقة والمواد بطريقة تقلل من الفوضى البيئية، مما يعني ان البقاء البيئي للأنظمة المعقدة –مثل الغابات، المحيطات، الغلاف الجوي- مرتبط مباشرة بقدرة الفكر على التنظيم. وهذه الفكرة عن مقاومة التدهور او عن الطابع النيغونثروبي للفكر يبعر عن صلة فعلية عميقة بين إليينكوف وفلاديمير فرنادسكي[5].

على هذا النحو، إذا أراد الإنسان الحفاظ على وجوده وعلى استقرار الكوكب، فيجب عليه ان يتحرك وفق مبادئ النيغونثروبي: التخطيط، المعرفة، التنظيم، وتحويل موارد الطبيعة بما يقلل من الفوضى. وبهذا المعنى تستحيل الايكولوجيا امتدادا ملموسا لجدل الطبيعة والفكر.

وعلى هذا الأساس، وانطلاقا من انجلز وإليينكوف، يمكننا التأسيس للفكرة التالية: الانسان بوصفه تنظيما واعيا لتدفقات الطاقة والمادة داخل الطبيعة. هنا تصبح الايكولوجيا ليست ملفا ثانويا، بل قلب النظرية.

كيف ننظم إنتاجنا بحيث نحافظ على شروط التنظيم (النيغونثروبي) بدل ان نسرع التبدد (الانثروبي)؟

مما سيسمح لنا بتصحيح انحرافين شائعين:

النزعة الانتاجوية داخل بعض القراءات الماركسية التي تنظر الى التقدم كتراكم كمي بلا حدود (مفهوم اللانهاية السيئة)

والنزعة الاخلاقوية الرومانسية في الايكولوجيا التي تفصل الانسان عن الطبيعة

ان الاطار المقترح يتجاوزهما جدليا من خلال التأكيد على توسيع قوى الانتاج مع ضبطها اجتماعيا وفق حدود النظم البيئية.

وحتى يتسنى لنا تثبيت هذا الاتجاه يمكن التأسيس لأربع محاور عملية:

1)     إعادة تعريف الانتاج كتنظيم بيئي طاقي: فالانتاج ليس فقط سلعا، بل ادارة دورات الكربون، والماء والمواد. الهدف هنا هو خفض الاهدار، اطالة اعمار المنتجات، وإغلاق الدورات (اقتصاد دائري صارم). وهنا بالذات يظهر دور العلم كتقنيى لتنظيم التدفقات، لا لتعظيم الاستخراج فقط.

2)     التخطيط الديمقراطي طويل الأمد: استلهاما من شرط إليينكوف حول التنظيم الواعي، تدار الطاقة والبنى التحتية عبر تخطيط ديمقراطي متعدد المستويات (محلي/وطني/عابر للحدود) بآفاق زمنية طويلة (عقود)، مع مؤشرات بيئية ملزمة (ميزانيات كربون، حدود مائية، تنوّع حيوي).

3)     سيادة طاقية انتقالية: الانتقال من الاعتماد الأحادي إلى مزيج طاقي منخفض الكربون (متجدّد + تخزين + كفاءة + شبكات ذكية)، مع تقليل الطلب عبر تصميم المدن والنقل. الهدف ليس "طاقة أكثر بأي ثمن"، بل طاقة كافية منظّمة.

4)     عدالة بيئية كشرط للتنظيم: لا يمكن تثبيت أي تنظيم نيغوانتروبي دون عدالة في التوزيع: حماية الفئات المتضررة، نقل التكنولوجيا، وتمويل الانتقال. العدالة هنا ليست ملحقا أخلاقيا، بل شرط استقرار النظام.

إن أي قارئ عربي سيلاحظ ببساطة أن الانتاج الماركسي والتقدمي في العالم العربي وحتى الغربي قد أهمل ديالكتيك الطبيعة وكوسمولوجيا الروح. والقضية هنا تتجاوز مجرد "إهمال بسيط"، بل هي نتيجة بنية تاريخية ونظرية جعلت أعمالا كهذه خارج مركز الاهتمام. فالاحزاب الشيوعية العربية تشكلت في سياق نضالات استعمارية وطنية وضغوط سياسية مباشرة (قمع، حرب، بناء الدولة إلخ) من هنا كان تركيزها على القضايا "العاجلة": التنظيم، التحالفات، المسألة القومية والصراع الطبقي المباشر. ضمن هذا السياق كان يبدوا التفكير في الطبيعة او الكوسمولوجيا ترفا فكريا مقارنة بالمهام السياسية الانية. بالاضافة الى ذلك، داخل التقليد الماركسي نفسه، تم تقليص الماركسية إلى اقتصاد سياسي وسياسة، بينما أهمل البعد الفلسفي والأونطولوجي. حتى في الحالات النادرة التي كان يدرس فيها كتاب انجلز ديالكتيك الطبيعة كان يعرض لقراءات تبسيطية او تعليمية وليس كمشروع مفتوح حول جدلية الطبيعة. أما إليينكوف فبقي أصلا غير معروف نسبيا بسبب الحواجز اللغوية، وضعف الترجمة، وطبيعة كتابته النظرية الصعبة.

         لكن هنالك في الواقع سبب أعمق: الخوف من الانزلاق نحو نزعة "طبيعية" أو "حتمية". وذلك لأن الكثير من الماركسيين –عربا وغربيين[6]- تحفظوا تجاه ديالكتيك الطبيعة لأنهم رأوا فيه خطر تبرير ميكانيكي للتاريخ (أي رد الاجتماعي إلى قوانين الطبيعة). لذلك فضلوا التركيز على الماركسية "كنظرية للمجتمع فقط". من هنا كانت النتيجة التالية هي سيدة الموقف: القطيعة بين الطبيعة والتاريخ، وهي القطيعة التي تجعل اليوم الماركسية عاجزة نسبيا أمام قضايا الايكولوجيا او الطاقة او المناخ.

         ومن هنا تظهر لنا اليوم أهمية العودة الى هذه الأعمال، لإعادة بناء ما يمكن تسميته الوحدة بين الطبيعة والتاريخ. عند إليينكوف يفهم المجتمع نفسه كشكل خاص من تنظيم الطبيعة والفكر كقوة مادية. وهذا يسمح اليوم باعادة صياغة الماركسية بحيث تصبح اليوم قادرة على التعامل مع ازمات مثل البيئة، التكنولوجيا والحروب المعاصرة- ليس كقضايا منفصلة، بل باعتبارها تعابير مختلفة عن الطريقة المهيمنة لتنظيم تدفقات المادة والطاقة.

         وهذا لا يعني البتة ان على الاحزاب الشيوعية او المنظمات الماركسية – كما يقوم بذلك بعض التروتسكيين- اضافة "بند بيئي" معزول في برامجهم. وإنما المطلوب هو اعادة تعريف جوهر المشروع الشيوعي: الانتقال من مجرد التركيز على الملكية والتوزيع، الى تنظيم واع لتدفقات المادة والطاقة والمعرفة داخل المجتمع والطبيعة. وبهذا المعنى يستحيل الصراع الطبقي ايضا صراعا على كيف ننظم العالم المادي (الانتاج، الطاقة، الارض، العلم) لا فقط لمن يملكه.



[1] : إن العودة في هذا السياق إلى ما كتبه إنجلز في مقدمة ديالكتيك الطبيعة هو ذو أهمية قصوى فيما نحن بصدد البحث فيه. ففي هذه المقدمة يقدم إنجلز رؤية كونية جدلية تنطلق من فرضية السديم كما صاغها بيير سيمون لابلاس (1749- 1827)، حيث يستوعب الكون بوصفه عملية تطور مادي مستمرة، لا كحالة ثابتة. فالمادة –حسب هذه الفرضية- تتخذ في البداية شكلا غازيا ملتهبا، ثم تتمايز عبر التبريد إلى أشكال محتلفة للحركة (حرارية، ميكانيكية، كهربائية إلخ.) تتحول وتتغير بعضها إلى بعض. ومع استمرار عملية التبريد، تظهر القفزة النوعية الكبرى: الإنتقال من الفيزيائي إلى الكيميائي، ثم الى الحيوي، حيث تتشكل الحياة من شروط مادية محددة دون أي تدخل خارجي. إن التراكم الكمي (التبريد والتغيرات التدريجية) أدى إلى تحولات نوعية وكيفية (ظهور التفاعلات الكيميائية ثم الحياة). وبالتالي، فإن الطبيعة ليست مجرد خلفية للحياة، بل هي ذاتها عملية تاريخية تولد أشكالها الأعلى من داخلها.

أما القفزة النوعية الثانية الحاسمة التي تحللها مقدمة انجلز فهي ظهور الإنسان، أي عندما تبلغ الطبيعة وعيها بذاتها. إلا أن هذا الوعي لا يفهم على نحو مثالي، بل من خلال العمل: اليد، الأداة والإنتاج الإجتماعي. فالانسان يتميز بقدرته على تحويل الطبيعة بوعي، غير أن انجلز يكشف عن التناقض التاريخي الذي تعيشه المجتمعات الطبقية، حيث تبقى نتائج النشاط الانساني خاضعة لقوى غير متحكم فيها (السوق، الأزمات)، كما اشار نقديا إلى منطق تشارلز داروين حيث يسقط مفهوم "الصراع من اجل البقاء" على المجتمع. إن تطور قوى الانتاج يخلق اذن امكان السيطرة الواعية على الطبيعة، لكنه في ظل الرأسمالية ينتج الفوضى والأزمات. لذلك لا يكتمل وعي الطبيعة بذاتها إلا بانتقال البشر الى تنظيم واع للانتاج الاجتماعي، حيث تتطابق الغايات مع النتائج، وتدخل الانسانية مرحلة تاريخية جديدة تتجاوز التناقض بين الضرورة والحرية.

أنظر:

Friedrich Engels, Dialectique de la nature. Paris. Editions sociales. Traduit de l’allemand par Emile Bottigelli, p : 29/30/31/32.

[2] : علينا هنا ان ننتبه جيدا إلى أن قانون الفناء –كما عبر عنه إليينكوف وقبله إنجلز- ليس هو نفسه قانون الأنثروبي، بالرغم من وجود تقاطع جزئي بين القانونين. فقانون الأنثروبي يشير الى مفهوم دقيق يعني ازدياد اللاتنظيم أو تشتت الطاقة في نظام معزول (كما يصاغ في القانون الثاني للديناميكا الحرارية). هذا القانون يصف اتجاها عاما: الانظمة المغلقة تميل نحو التوازن الحراري، أي نحو حالة "موت حراري" حيث تختفي الفوارق التي تسمح بحدوث العمل والتنظيم. لكن قانون الفناء عند انجلز وإليينكوف هو قانون جدلي أشمل: كل شكل محدد من الوجود (نجم، كوكب، نوع حي، مجتمع) يظهر ضمن شروط معينة ثم يزول او يتحول عندما تتغير هذه الشروط. وهذا لا يعني البتة مجرد "تدهور نحو الفوضى"، بل يشير الى تحول في الاشكال، من البسيط الى المركب، ومن المركب الى شكل اخر. فمثلا، قد يؤدي موت نجم الى تكون عناصر وشروط جديدة لظهور الحياة. هنا الفناء ليس فقط تفككا، بل لحظة في سيرورة إنتاج أشكال جديدة. إذن، الأنثروبي يعمل اساسا على مستوى الأنظمة المغلقة، بينما الواقع الكوني (والحياة خصوصا) يتضمن انظمة مفتوحة تتلقى طاقة (مثل الارض من الشمس). لذلك، يمكن ان ينخفض الانثروبي محليا (اي ييظهر نظام وتعقيد مثل الحياة والوعي) رغم الاتجاه العام الكوني. على هذا النحو، يمكننا ان نقول ان الانثروبي يفسر لماذا لا شيء يبقى كما هو، في حين ان الديالكتيك يفسر كيف ولماذا يتحول هذا الزوال الى تاريخ من الأشكال الجديدة.

[3] : إيليا بريغوجين هو عالم فيزياء وكيمياء بلجيكي ذو أصل روسي. عرف بنظريته عن البنى المبددة التي أحدثت ثورة في التيرموديناميكا الكلاسيكية. وهذه النظرية هي ذات أهمية قوصة فيما نحن بصدد البحث فيه. ففي التيرموديناميكا الكلاسيكية، كان يعتقد أن البنى تتظور نحو الأنثروبي وأن التوازن هو الحالة النهائية. لكن بريغوجين سيظهر أمرا جدليا هاما: بعيدا عن التوازن، يمكن للتدهور او الانثروبي ان ينتج النظام. بخلاصة، يمكننا ان نقول ان إنجلز، فيرنادسكي، إليينكوف وبريغوجين يجعلون من الممكن التفكير في الطبيعة بوصفها فعالة، والتفكير في التطور على نحو جدلي (اي غير خطي)، والتفكير في الحياة والمادة والطاقة في ارتباطهم.

[4] : المقصود بـ“الفرضية الحدّية" هنا ليس فرضية عن شيء سيحدث فعلا غدا، بل تصور فكري يدفع إلى أقصى حدوده لكي يكشف لنا القوانين العميقة لظاهرة ما. عند إيفالد إليينكوف، فكرة أن "الفكر قد يساهم في إطلاق دورة كونية جديدة" ليست تنبؤا علميا مباشرا، بل تمرين جدلي: ماذا يحدث إذا بلغ تطور المادة المفكرة أقصى ما يمكن؟ ما هي حدودها؟ وما الذي يكشفه ذلك عن علاقتها بالطبيعة؟ ها هنا، يمكن استعمال تشبيه:

تخيل أنك تريد أن تفهم سرعة سيارة. بدل أن تسأل فقط "كم سرعتها الآن؟"، تطرح سؤالا: "ما أقصى سرعة يمكن أن تبلغها؟ وماذا يحدث عند هذه النقطة؟ هل تتفكك؟ هل تتغير طبيعتها؟". هذا السؤال عن "الحد الأقصى" لا يهدف إلى القيادة بهذه السرعة، بل إلى فهم طبيعة السيارة نفسها.

نفس الشيء هنا: الفرضية الحدّية تسأل عن أقصى ما يمكن أن يبلغه الفكر—هل يمكنه فقط التكيّف مع الطبيعة، أم يمكنه في حد ما أن يؤثر في مصيرها الكوني؟

الفرضية الحدّية هي إذن طريقة في التفكير نسأل بها: ماذا يحدث إذا أخذنا فكرة إلى أقصاها؟ ليس لنقول إن هذا سيحدث، بل لنفهم ما هي حدودها الحقيقية.

[5] : ينظر فرنادسكي الى الحياة (وسندرس هذه القضية مفصلا فيما بعد) باعتبارها شكلا متميزا لتنظيم المادة وينظر الى الفكر الانساني (مجال النو) باعتباره يظهر طبيعيا من العملية الجيوكوسمولوجية. مما يعني، وهنا تكمن واحدة من أهم أطروحاته، أن الفكر الانساني هو في اساسه امتداد للديناميكا المادية الحاصلة في المجال الحيوي، اي ان مجال النو هو امتداد للمجال الحيوي. وبالتالي فإن الفكر يمثل قوة جيولوجية جديدة قادرة على اعادة التنظيم الواع للمادة.

[6] : لقد سبق لأنطونيو غرامشي على سبيل المثال أن عرف الطبيعة بوصفها "مقولة اجتماعية"، وهو تعريف لم يشأ غرامشي من خلاله إنكار وجود الطبيعة المادية، وانما اراد منه التأكيد على أن الطبيعة كما تعاش وتفهم وتستثمر تاريخيا هي دائما متوسطة اجتماعيا من خلال العمل، اللغة، العلم، الهيمنة الثقافية. وبهذا المعنى لا نصل الى "الطبيعة في ذاتها" بل الى الطبيعة كما هي مشكلة داخل علاقات اجتماعية. لكن المشكلة تكمن في ان هذا المنحى قد تطور في كثير من تيارات الماركسية الغربية الى نوع من الرد الاجتماعي او الاختزال الاجتماعي، ومن هنا ساد التركيز على اللغة، الخطاب، الايديولوجيا الخ على حساب الطبيعة بوصفها واقعا ماديا مستقلا له قوانينه وحدوده. العودة إلى إنجلز تذكرنا بأن الطبيعة ليست فقط مقولة اجتماعية بل عملية مادية سابقة ومستقلة عن الانسان نسبيا. إذا اختزلنا الطبيعة الى مجرد "مقولة اجتماعية" نفقد القدرة على فهم حدودها (كالازمات البيئية على سبيل المثال) وإذا فصلناها تماما عن المجتمع نفقد القدرة على تغييرها. من هنا ينبغي التأكيد على أن الطبيعة شرط وجود الانسان، وهذا الاخير يعيد تشكيلها تاريخيا. إذن بدل القول بأن الطبيعة "مقولة اجتماعية" ينبغي علينا النظر الى الطبيعة بوصفها عملية مادية تاريخية يعاد تنظيمها اجتماعيا.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

ما وراء المرآة؟

ماركس الشاب والمادية القديمة (ابيقور- ديموقريطس) مدخل نظري لدراسة اطروحة ماركس لنيل الدكتوراه

نيكوس بولانتزاس: بحث في الأونطولوجيا الظاهراتية وتطبيقاتها على مستوى فلسفة القانون