ما وراء المرآة؟

 ما وراء المرآة[1]؟



[1] : هذه المقالة  Что там, в Зазеркалье التي كتبها إيفالد إيليينكوف سنة 1969 هي من المقالات النادرة التي يشعر المرء عند قراءتها أنه يمر بتجربة فكرية كاملة من البداية إلى النهاية.

http://caute.ru/ilyenkov/texts/iki/metadisk.html

 

إن مسألة العلاقة بين الجمال والخير والحقيقة هي مسألة قديمة جدا. وفي أيامنا هذه، غالبا ما تتخذ شكل تساؤل عن العلاقة القائمة بين الفن والأخلاق والعلم. لكن، جوهريا يتعلق الأمر بنفس المسألة.

 في الماضي كان الحل بسيطا بحيث جرى اعتبار الحقيقة والخير والجمال أنماطا مختلفة للتعبير عن شيء واحد. شيء واحد بعينه يعبر عنه من خلال ثلاث أنماط مختلفة. وبالرغم من كون هذا الحل يبدوا اليوم بسيطا أكثر من اللازم، ومباشرا وساذجا في تجريده، إلا أنه لا يوجد حل عام اخر غيره.

يمكننا بالطبع ان نلاحظ ان هذا الحل مبالغ في العمومية، ويمكننا ايضا أن نعتبر أن "صيغته العامة" لا تحل الصعوبات الخاصة التي تظهر فور محاولة تطبيقها على تحليل العلاقات الواقعية، الملموسة تاريخيا، بين هذه الأنماط الثلاثة من التعبير. فمن السهل الاعتراض بأن هذه العلاقات في الواقع متوترة إلى درجة كبيرة بحيث تتباعد وتفترق الحقيقة والجمال والخير في الحياة الواقعية.

كل ما قيل هنا صحيح. فالإنسجام المفترض بين الحقيقة والخير والجمال في الصيغة القديمة لا يتأكد بسهولة من خلال الوقائع التاريخية. بل إن التاريخ نفسه، خاصة في حالة ما اذا فهمت هذه الصيغة بوصفها قانونا ينبغي ان يخضع له كل واقع او مثال جزئي، يبدوا وكأنه يدحض هذه الصيغة العامة.

وفي أفضل الأحوال يمكننا الاحتفاظ بهذه الصيغة الكونية لا بوصفها علاقة واقعية قائمة فعليا، وإنما بوصفها حلما او أملا أو حالة مثالية غير قابلة للتحقق. ولكن على أي وقائع حقيقية يمكن أن يتأسس هذا الحلم او هذا الأمل؟

على هذا النحو تجيبنا الصيغة العامة: يتأسس الأمل على أن الحقيقة والخير والجمال ترتبط في جوهرها ارتباطا وثيقا، وأنها تنبع من جذر واحد وتتغذى من عصارة واحدة. ولذلك، مهما تباعدت، فإنها تبقى أغصانا للشجرة نفسها. ولهذا السبب لا يمكنها داخليا ان تكون معادية لبعضها حتى لو بدت خارجيا كذلك. ففي نهاية المطاف، يمكن للعلاقات المتوترة ان توجد حتى بين أبناء أو بنات الأم الواحدة، ولكن هذا لا يبرر الانقسام والشقاق العائلي، ولا يجعل منه قانونا عاما يحكم العلاقات الأخوية. لا يمكن اذن للاستثناءات الحزينة ان تنقض هذا القانون.

ولكن ما العمل اذا استحالت الظروف الشاذة هي القاعدة؟ وما فائدة صيغة عامة لا تعمل إلا في ظروف مثالية؟ هل يتعلق الامر هنا بمجرد أمنية طيبة؟ أم بعبارة منافقة؟ أم مجرد تركيب لغوي للكلمات صحيح نحويا؟

من المستحيل إنكار هذا الإعتراض.

فما العمل إذن؟

هل ينبغي علينا ان نرفض الصيغة القديمة كلها بوصفها صيغة فارغة كان يمكن التسامح معها في العصور القديمة الساذجة لكنها تبقى اليوم غير مقبولة؟

لنحاول ذلك. لكننا حينئذ نسلب أنفسنا مباشرة الحق في التفكير في المسألة نظريا. بحيث تصبح "الحقيقة" و"الخير" و"الجمال" مجرد مفاهيم مختلفة لا تجمعها أي علاقة. على غرار "الشمندر الاحمر" و"أتعاب كاتب العدل" و"الموسيقى"، أو مثل "التكافؤ الكيميائي" و"ثمار البيلسان في الحديقة" و"الجنيه الاسترليني"، أي كمفاهيم تشير الى اشياء متباينة تماما.

وفي هذه الحالة لا يمكننا اقامة اي علاقة منطقية بينها، وذلك لأن العلاقة المنطقية لا تقوم ولا تتأسس إلا بين مفاهيم من الطبيعة نفسها، أي بين مفاهيم تعكس ظواهر من النظام نفسه. فإذا لم يكن هنالك أساس مشترك، فمن الأفضل التخلي عن أي أمل في حل المسألة نظريا.

ومع ذلك، إذا افترضنا وجود علاقة بين "الخير" و"الجمال" و"الحقيقة" تستحق ان تكون موضوعا للدراسة النظرية الجدية، فإن هذا الافتراض يستحيل التعبير عنه الا من خلال الطريقة التقليدية نفسها.

الحقيقة والجمال نمطين للتعبير عن شيء واحد. وكذلك الجمال والحقيقة.

وهنا يطرح التساؤل: ما هو هذا الشيء الواحد نفسه؟

ما هو هذا المجهول الذي يظهر تارة في شكل مفهوم "الجمال"، وتارة في مفهوم "الخير"، وتارة في مفهوم "الحقيقة"؟ من هذا الموجود الغامض الذي يظهر في حفلة التاريخ التنكرية تارة بقناع وتارة اخرى بقناع اخر. من هو هذا المجهول؟

في الواقع لن نتمكن من رؤية وجهه الحقيقي إلا اذا فاجأناه في غرفة تبديل الملابس، أي في اللحظة التي يستبدل فيها قناعا باخر. لكن المشكلة تكمن تحديدا في كونه يرفض ان يرى في تلك اللحظة، ولذلك نجده يستبدل الاقنعة بسرعة هائلة. ولو استطعنا التقاط صورة له في تلك اللحظة القصيرة لعرفنا حقيقته "في ذاته ولذاته" كما يقول هيجل. غير أن التبديل يتم في الظلام، لذلك لن نرى وجهه الحقيقي أبدا، وسنظل نراه دائما في قناع العالم أو قناع الجميل أو قناع الواعظ الاخلاقي. وتزداد القضية تعقيدا حالما نستوعب ان الجميل ليس بالضرورة فاضلا –بل غالبا ما يكون فاسدا- وحينما يكون الواعظ الاخلاقي بصدد محاولة اصلاح ذلك، يسخر العالم المدرسي من هذا المشهد كله. فما الذي يمكن ان يكون مشتركا بين جمال شرير وخير قبيح وحقيقة لا تهتم بأن تكون جميلة او قبيحة؟ ها هنا يعجز المنطق التقليدي عجزا تاما.

لكن هنالك منطق اخر يفرض نفسه ويقود الى حل بسيط: لا وجود في الواقع لأي مجهول او غامض، يوجد فقط ممثل حقيقي وحيد نعرفه جميعا تمام المعرفة، ويظهر في المسرحية بأقنعة مختلفة. وهذا الممثل هو: الإنسان نفسه. إنه الانسان الواقعي، المعروف، والذي يحيا حياة معقدة ومتناقضة، ويؤلف مسرحياته الخاصة من خلال افعاله وتصرفاته في خضم ظروف يصنعها التاريخ. تلك المسرحيات التي تختلط فيها الملحمة البطولية والمهزلة والتراجيديا الدامية والتي يخنق فيها الخير الجمال، وينتصر فيها الشر، وتتخذ فيها الحقيقة شكلا بائسا.

وهكذا يحدث ان العلم ممثلا في ألبير أينشتاين يشعر باليأس لأنه يتحمل مسؤولية مأساة هيروشيما، ويحدث أن الفن المعاصر يتخلى عن الجمال ويسعى عمدا الى القبح، ويحدث أن الخير نفسه، بعد يأسه من العالم، يبدأ في صناعة الشر. وعلى هذا النحو، تتشابك الحقيقة والقبح والجمال والكذب والخير والشر كالثعابين في فصل الربيع، حتى يصير من المستحيل التمييز ان ينتهي احدها واين يبدأ الاخر.

وعلى هذا النحو، تختلط الحقيقة بالقبح، والجمال بالكذب، والشر بالجمال. ويقف المنظر أمام هذا التشابك ويقول: "من دون نصف لتر من الفودكا لا يمكن فهم أي شيئ". "وحتى لو فهمت نظريا، فإن الواقع سيظل كما هو."

لكن ماذا لو كان الوقت قد حان لفهم ذلك؟ وماذا لو بلغت تناقضات الوجود الانساني حدا لا يمكن تجاوزه الا بكارثة عالمية، تنهي الحقيقة والجمال والخير معا، هذه الوجوه الثلاثة للشيء الواحد نفسه: الانسان؟ ألم يحن الوقت لكي نفكر بجدية وبحزم في الكيفية التي يمكن من خلالها تنظيم الأمور بحيث ترتبط الحقيقة ارتباطا دائما بالجمال، لكي تنجب دائما الخير؟

وبالطبع سيكون علينا أن نفكر في "الحقيقة" و"الخير" و"الجمال" لا بوصفها مفاهيم مجردة وانما من خلال التفكير في كيفية تنظيم العلاقات المتبادلة بين الانسان وأخيه الانسان، تلك العلاقات التي تتجلى "بثلاث انماط مختلفة للتعبير": في شكل فن حقيقي، وأخلاق حقيقية، وعلم حقيقي.

إن الإنسان الواقعي، الإنسان الذي يقف بكلتا قدميه على هذه الأرض الخاطئة، هو نفسه ذلك "الشيء المشترك". إنه مجال العلاقات بين الإنسان والإنسان. أو، إذا شئنا التعبير بلغة هيغلية قد تبدو أقل وضوحا: علاقة الإنسان بنفسه. فإذا كنت تتعامل مع إنسان آخر تعاملًا إنسانيا، فإن هذا يعني — باللغة نفسها — أنك تتعامل إنسانيا مع نفسك بوصفك إنسانا. وإذا كنت تعرف كيف تفعل ذلك، إذا كنت تعرف ما الذي تعنيه هذه العلاقة الإنسانية، فإن مشكلة العلاقة بين "أنماط التعبير الثلاثة" لن تكون بالنسبة اليك لغزا مستعصيا. أما إذا كنت لا تعرف — أو ما هو أسوأ من ذلك، إذا كنت لا تريد أن تعرف — ما معنى العلاقة الإنسانية مع الآخر، وبالتالي مع نفسك، فمن الأفضل لك ألا تقترب من هذه المشكلة أصلا. فمن دون هذا المفتاح لا يمكن حلها.

لذلك ينبغي البدء بهذه المفاهيم:

ü   الإنسان

ü   العلاقات الإنسانية

ü   علاقة الإنسان بالإنسان

ü   علاقة الإنسان بالطبيعة

فهذه هي "الشيء الواحد والمشترك" نفسه، الذي ينبغي دائما النظر إليه من خلال مناشير أنماط التعبير الثلاث (الفن، الاخلاق والعلم). إذ ها هنا فقط يوجد المعيار الذي يتيح لنا في النهاية التمييز بين الفن الحقيقي الموجه نحو الجمال والخير، وبين التقليد البائس لهما. وبامتلاك هذا المفتاح — أي هذا المعيار — يمكن على الأقل الاقتراب من هذه المشكلة على أمل فهم أصيل لها :

أين نكون أمام فن هو في جوهره أخلاقي، على الرغم من أنه — بل بفضل كونه — يصور الشر في أقصى تجلياته، ويكشف أمامنا قبحه الداخلي؟ وأين، على العكس من ذلك، نكون أمام تمثيل منافق لا أخلاقي في جوهره، يقدم لنا تصويرا باردا ومحسوبا لشخصيات "مثالية" في الذكاء والجمال والفضيلة وفق كل قواعد الأخلاق؟

عندئذ فقط تكون لديك فرصة للتمييز: أين «مادونا سيستينا» في عصرنا، وأين الجميلة المرسومة في فيلم «كليوباترا»؛ أين ساسكيا الحقيقية، وأين تلك المرأة المتصنّعة التي وضعت مساحيقها لتبدو مثلها. عندئذ لن تخدعك الجمـاليات الزائفة ولا الخير الزائف في الفن — تلك البدائل المزيفة للجمال والخير التي تستطيع أن تتعايش بسهولة مع الكذب والقبح، سواء في علاقة فاسدة أو حتى في زواج أخلاقي ظاهري بينهما. عندئذ سترى دائما أي عمل فني — حتى لو لم يلقِ خطابات رنانة ولم يرسم صورا جميلة — هو في الحقيقة حليف داخلي في الحرب المعاصرة من أجل الحقيقة والجمال والخير. وأي عمل آخر ليس سوى عدو مقنّع لهذا التحالف في حياة الإنسان.

فمن الممكن في النهاية أن نميز بثقة بين أركادي رايكين والمقلد عديم الموهبة، حتى لو اختبأ هذا الأخير تحت قناع مسروق من الأستاذ. وبعبارة أخرى، سترى كم يحدث — خاصة في الفن — أن القبح الخبيث يحب أن يخفي تقاسيمه المقيتة خلف قناع الجمال.

وكثيرا ما يحدث العكس أيضا: إذ تختبئ خلف "لا-جمالية" ظاهرية جمال عميق وحقيقي، اضطرته ظروف الدراما إلى ارتداء قناع مضحك أو حتى مشوه — كأن يلعب دور المتشرد تشارلي، أو الوحش غوينبلين.

وإذا كنت تمارس التنظير حول الفن، أي إذا كنت تنظر إلى الفن لا من أجل متعتك الخاصة فقط، فإنك تصبح ملزمًا بإجراء مثل هذه التمييزات. لا بالاعتماد على ذوقك الشخصي فقط، بل بالاستناد إلى معايير نظرية صارمة.

فأنت هنا تتحمل مسؤولية أمام الآخرين عن دقة حكمك وصرامته، وعن الأساس الموضوعي الذي يميز بين: الجمال الحقيقي، ذلك الذي لا يمكن في جوهره إلا أن يتطابق مع الخير الحقيقي والحقيقة، والتقليد المتقن للجمال .فالجمال الحقيقي يتميز عن الجمال الوهمي من خلال علاقته بالحقيقة والخير — أي من خلال معناه الإنساني.

بطبيعة الحال، ليس من السهل دائما إجراء هذا التمييز، لأسباب كثيرة.فالتقليدات المزيفة قد تكون بارعة للغاية. وأحيانا لا يمكن الطعن فيها من الناحية الشكلية. فهي تستوفي كل المعايير الشكلية: الأخلاقية، العلمية، الجمالية:  كل شيء يبدو كما في أفضل البيوت… ومع ذلك يبقى تزويرًا. ولهذا يوجد دائما خطر أن يخطئ المرء بنفسه، وأن يضلل الآخرين أيضا..

لكن هذا ليس مبررا للتخلي عن ملكة الحكم، أو لاتخاذ موقف المتفرج اللامبالي الذي يقول بنبرة بيلاطس البنطي: ما هي الحقيقة؟ ما هو الجمال؟ ما هو الخير؟ ففي الواقع العملي يعني هذا غسل اليدين وترك الأمور على حالها، بل وحتى مباركة الفريسيين الذين يصلبون الإنسان على صليب: العقائد المكرسة رسميا، الحقائق الخشبية الجامدة، أخلاق الأمس، حقيقة الأمس، جمال الأمس، أو بالأحرى النسخ اللفظية الميتة لما كان يومًا ما حقيقة وجمالا وخيرا.

إنه موقف يبدو نبيلا. ومع ذلك فهو موقف غير جدير إطلاقا. فإذا اتخذته، فمن الأفضل لك ألا تسمي نفسك منظرا.

إن كنت تتخلى عن مسؤولية الحكم استنادا إلى معايير واضحة ومدروسة، فذلك شأنك الشخصي. إن كنت تخاف أن تخطئ — فاصمت. لكن لا تقنع الآخرين بأن يصمتوا هم أيضا. فالصمت أمر مرعب.عندما يصمت الله يسود الجحيم في العالم. جحيم واضح إلى درجة أن المؤمنين والملحدين باتوا يفهمونه — هكذا جاء في مقدمة فيلم الصمت  للمخرج إينغمار برغمان.

نحن نفهم أن الله يصمت لأنه غير موجود. أما إذا صمت الإنسان، فذلك أمر مرعب حقا، وقبيح، ولا علاقة له بالحقيقة ولا بالعناية  ولا بالخير ولا بالجمال. وكذلك الصراخ الهستيري، أو العويل الممزق

الإنسان

أو بالأحرى البشر، في علاقاتهم المتبادلة التي تشكلت تاريخيا — كما يقول العلم — فيما بينهم ومع الطبيعة.

هم ذلك "الشيء الواحد" الذي يحاول ان يعبر عن نفسه ويفهم ذاته عبر ثلاث انماط مختلفة للتعبير.

إن الحقيقة والجمال والخير ليست كيانات مستقلة، إنها ثلاث أنماط مختلفة يعبر من خلالها الانسان عن نفسه في العلم، في الفن وفي الاخلاق. وكل مجال من هذه المجالات هو مرآة يرى الانسان نفسه فيها. غير ان الانسان لا يظهر كاملا في امتلائه الملموس في مرآة منفردة، اذ يظهر فيها على نحو جزئي، مجرد وأحادي. ومع ذلك فإن الذي ينعكس في المرايا الثلاث هو الانسان الواحد نفسه. فإذا رأى نفسه هذا الانسان جميلا في مرآة الفن، لكنه شريرا في مرآة الأخلاق، أو كاذبا في مرآة العلم، فلا ينبغي عليه هنا ان يلوم المرآة، وانما عليه ان ينظر الى نفسه. فالمرايا الحقيقية، مرايا العلم الحقيقي والفن الحقيقي والأخلاق الحقيقية،  تلك المرايا التي صقلها عمل الاف السنين من البشر الذين استحقوا حقا اسم الانسان، لا تكذب.

إن الإنسان هو الموضوع الأسمى للإنسان. والعلم والفن والأخلاق ليست إلا أشكالا مختلفة لوعي الانسان بنفسه. وعندما لا تتفق هذه الاشكال الثلاثة فإن ذلك يدل على وجود خلل في العلاقات الاجتماعية بين البشر. ولذلك كان وسيظل اتحاد الحقيقة والخير والجمال معيارا لنضج العلاقات الانسانية. أما من يتخلى عن هذا المعيار فسيفقد القدرة على التمييز بين ما هو انساني حقا وما هو مجرد بقايا للحيوانية.

ولهذا ينبغي صقل معايير الجمال الحقيقي والعلم الحقيقي والأخلاق الحقيقية بوضوح أكبر حتى نفهم هذا الخلل فهما دقيقا. لا أن نطمس هذه المعايير بالكلام عن "نسبية الجمال" أو "نسبية الأخلاق" أو "شرطية الحقيقة". فالإنسانية قد راكمت بالفعل خبرة كافية في التمييز بين: الجمال والقبح، الحقيقة والخطأ،الخير والشر. وفي العلم الحقيقي والفن الحقيقي والأخلاق الإنسانية تم فهم هذه الخبرة بوضوح كافٍ. ولهذا يمكن — بل يجب — الحكم وفق أعلى المعايير. وإلا فسيكون الأوان قد فات.

أما أولئك الذين يثيرون الضباب حول المفاهيم الأساسية للوجود الإنساني ويحاولون إقناع الجميع بأن "الجمال" مجرد اصطلاح اعتباطي، وأنه لا توجد حدود تفصل بينه وبين القبح، وأن علينا أن نسجد لكل صنم يُسمّى "جمالا" من قبل المنظرين العصريين، فإنهم لا يخدمون الخير ولا يقولون الحقيقة.

إن الإحساس المتطور بالجمال الحقيقي يرفض دون تردد الصور التي تنتجها العلموية الزائفة — أي العلم الذي فقد توجهه الإنساني بل ويتفاخر ببروده وقسوته. ويحق له أن يفعل ذلك، حتى لو ارتدى هذا العلم نصف الزائف لباس "الحداثة"، وحاول إقناع الإنسان بأن يرى الجمال الحقيقي في وحوش سيبرانية باردة أو في خيالات علمية تسعى إلى "رياضة" الإنسان والعالم بالكامل.

فالجمال يرفض التعامل مع هذه "الحقيقة"، لأنها في الواقع ليست حقيقة بل بديل عنها. ولا يمكن أن تغازل هذه "الحقيقة" إلا جماليات زائفة رخيصة.

قد يقال لي: الحقيقة، الخير، الجمال، الإنسان الكبيرأليس هذا إنسانوية مجردة؟

لا جدال في أن العلم يبدأ من المجرد ويتجه نحو الملموس. ولذلك لا بد أولا من رسم الخطوط المجردة للمشكلة، لكي نصل في النهاية إلى فهمها الملموس. ولهذا دعونا نحاول النظر في حالة ملموسة جدا. حالة مرضية تقريبًا: عندما يبدأ الإنسان فجأة بالظهور في مرآة الفن… في هيئة علبة معدنية.

في خريف عام 1964، وأثناء سفرنا إلى مؤتمر فلسفي، وصلت بعثتنا إلى فيينا في اليوم نفسه الذي افتتح فيه معرض فن البوب القادم من أمريكا. كنا قد سمعنا عنه كثيرًا، وقرأنا عنه شيئا، لكننا قررنا أن نراه بأعيننا. بعد الزيارة ناقشنا ما رأيناه طويلًا. وكان الانطباع قويا جدا.

أما أنا شخصيا، فقد دخلت المعرض بروح ساخرة قليلا. لكن بعد عشر دقائق فقط انهار هذا الموقف الساخر تمامًا تحت سيل الانطباعات المباشرة. وفجأة شعرت أن شيئا غير طبيعي يحدث في رأسي. قبل أن أفهم ما يحدث، شعرت بسوء حقيقي — سوء جسدي. اضطررت إلى الخروج إلى الهواء الطلق في شوارع فيينا الجميلة. لم أحاول التنظير في تلك اللحظات. غير أنني فهمت أمرا واحدا: أعصابي لم تحتمل. لقد انهار الحاجز الساخر الذي كنت أختبئ خلفه أمام فن البوب والتجريدية وما شابهها من حداثة. ولم أكن قد أعددت خط دفاع آخر. فاندفعت الصور الغريبة عني، بل المعادية لي، إلى نفسي، واستقرت فيها دون استئذان، ولم أستطع السيطرة عليها.

جلست على درجات مدخل البناية ادخن، محاولا بلا جدوى التغلب على شعور غير سار بالاحباط والارتباك والغضب من اعصابي الضعيفة. وعندما استعدت اخيرا القدرة على الكلام بوضوح قلت، وانا اذكر ذلك جيدا:

لدي شعور كما لو ان صديقا جيدا لي دهسه ترام امام عيني. لا استطيع ان ارى الاحشاء الملطخة على القضبان والاسفلت...

وحتى الان، بعد عدة سنوات، لا اجد كلمات ادق لوصف الحالة التي اوصلتني اليها تلك المعرضة. نظرت الي المترجمة الشابة التي كانت تقف بجانبي باهتمام وقالت:

انا افهمك. انت فقط غير معتاد على هذا. الامر لا يستوعبه العقل مباشرة.

وهل ينبغي ذلك؟ سألتها.

هل يستحق الامر ان نعتاد عليه؟

فكرت قليلا وهزت كتفيها ولم تجب فورا. كانت فتاة مهذبة ومثقفة، ويبدو ان لديها رأيا مدروسا حول البوب ارت والتجريد وغيرهما من ظواهر الثقافة الروحية المعاصرة، لكنها كانت متسامحة ايضا مع الاراء المختلفة عن رأيها.

بالطبع انت محق عندما تنظر الى كل هذا بعدم استحسان، قالت بعد قليل. هنا بالفعل تسعون بالمئة من الهراء والشعوذة. ونحن في فيينا نفهم ذلك ايضا. لكن مع ذلك يوجد هنا شيء لا تلاحظه انت على ما يبدو. شيء موهوب حقا، وان كان بطريقته الخاصة. حتى لو كان عشرة بالمئة فقط فهذا جيد. خذ مثلا هذه التركيبة من المصابيح الكهربائية والجنود المصنوعين من القصدير...

ثم بدأت تشرح لي، بصدق وهدوء كبيرين، من دون حماسة مبالغ فيها ومن دون رغبة في فرض رأيها علي، لماذا اعجبتها تلك التركيبة الانيقة بطريقتها الخاصة. وجدت فيها ذوقا معينا، وحضورا للخيال، والعديد من المزايا الاخرى. ولماذا لا نتأملها اذا كانت منفذة فعلا بمهارة واناقة؟

وقالت:

الموهبة نادرة عموما. اليس هذا هو الاهم؟ ما الفرق ان كان بوب ارت او تجريدا او رسما تصويريا؟

وضعتني بذلك امام سؤال لم اجرؤ حينها، عند مدخل المعرض، على الاجابة عنه. حقا، ما هو الاهم في الفن؟ ما الذي يجعل الفن فنا؟

لم استطع ان اجيب عن ذلك في كلمتين، ولم اشأ في تلك اللحظة ان ابحر في محيط علم الجمال الواسع الذي يغسل شواطئ الواقعية والسريالية والبوب ارت الذي زرناه للتو. ولذلك التزمت الصمت.

وفي تلك الاثناء كان بعض زملائي الفلاسفة، الذين كانت اعصابهم اقوى من اعصابي، يجرون حديثا شيقا مع مدير المعرض. وعندما عدت الى القاعة بدأت استمع الى استاذ نمساوي كان يدافع بهدوء وصبر، منتقيا كلماته بعناية، عن المعرض في مواجهة هجوم احد فلاسفتنا.

قال:

لا، انتم مخطئون خطأ عميقا. هذا ليس هذيانا ولا مهرجا ولا شعوذة. هذا فن. وربما، حتى، الشكل الوحيد الممكن للفن في ايامنا.

في البداية ظننت انني سأسمع صيغة اخرى من الحديث عن حق الفنان في رؤية العالم كما يشاء، لكن ما سمعته بعد ذلك جعلني انتبه جيدا.

قال:

نعم، انه فن. فن يحتضر. موت الفن. احتضار. تشنجات ما قبل الموت. لقد وقع الفن تحت العجلات الحديدية لحضارتنا. انها مأساة. وانتم تسخرون من ذلك.

لا استطيع ان اؤكد انني انقل كلمات الناقد الفني من فيينا حرفيا. فالالمانية يصعب علي فهمها سماعا، وقد مرت نحو اربع سنوات. لكنني اضمن المعنى، هكذا فهمها الجميع.

قال:

الفن، يا سادة، فن وليس شعوذة. الفن يضع حدا لحياته امام اعينكم. انه انتحار. يضحي بنفسه لكي يجبرنا على ان نفهم الى اين نسير. يبين لنا ما الذي نصبحه نحن. نتحول الى خردة. الى اشياء. الى اشياء ميتة. الى جثث. وانتم لم تفهموا ذلك بعد. تظنون انه سيرك او لعبة. لكنه احتضار حقيقي. مرآة تظهر لنا جوهرنا ومستقبلنا. غدنا، اذا استمر كل شيء في السير حيث يسير. الاغتراب...

اعترض احدهم قائلا ان الغد ليس بالضرورة قاتما الى هذا الحد، واننا نتخيله بشكل مختلف، وان الاغتراب شيء والشعوذة شيء اخر، وان فناني البوب ارت لا يشبهون المنتحرين التعساء بل يشبهون رجال اعمال ناجحين.

فرد الاستاذ:

ربما المأساة الكبرى تكمن في انهم لا يفهمون ذلك. لا يدرون ماذا يفعلون. يعتقدون انهم وجدوا مخرجا من مأزق التجريد، وانهم يعيدون للفن الموضوعية والحياة. لكن الامر ليس عنهم. بل عن الفن نفسه. هم قد لا يفهمون، لكننا نحن، نحن المنظرين، يجب ان نفهم. حضارتنا تسير نحو الانتحار. الفن فهم ذلك. الفن نفسه يلقي بنفسه تحت العجلات لكي نرى ونرتعب ونفهم.

نظرت مرة اخرى الى القاعة. فوق المدخل لوحة فوتوغرافية ضخمة، ثلاثة امتار تقريبا. من بعيد تبدو سطحا رماديا اسود وابيض، لكن عند الاقتراب ترى مئات الصور المتطابقة تماما مرتبة في صفوف.

الصورة نفسها مكررة مئات المرات: وجه امرأة واحد. صور فوتوغرافية رديئة كتلك التي تلتقط للبطاقات الشخصية. والشخصية التي تتكرر هكذا آلاف المرات هي الموناليزا المعروفة.

الوجه فقد، نتيجة هذا التكاثر الالي الممل، ما يسمى بالفردية. حتى الابتسامة الشهيرة فقدت غموضها. لقد ازالتها المواد الكيميائية القاسية لمصور غير ماهر. صارت ابتسامة ميتة متجمدة، اصطناعية مزعجة، كابتسامة عارضة ازياء متقدمة في السن تبتسم فقط لان عليها ان تبتسم.

لكن ذلك لا يهم، فالوجه هنا يؤدي دور الطوبة في بناء التركيب. موناليزا؟ فلتكن موناليزا.

نظرت اليها بحزن وفكرت: اذا قدر لي ان ارى الموناليزا الحقيقية يوما ما، فربما تفسد هذه الذكرى ذلك اللقاء.

وبجانب هذه الموناليزا التي قتلت بطريقة سادية، كان هناك مرحاض. المرحاض الشهير الذي لا يخلو منه حديث عن البوب ارت. مرحاض حقيقي مستعمل جيدا يعرض خدماته بوقاحة. لكن تحتها عبارة تقول ان وظيفته هنا هي قضاء الحاجات الروحية والجمالية، للتأمل النقي غير النفعي.

من الصعب ان تفهم: هل يريدون رفع الوضيع ام اذلال الرفيع؟ اين الاعلى واين الاسفل؟ كل شيء نسبي...

وفي زاوية القاعة سمع صرير تروس معدنية. كان الحارس قد شغل مفتاحا كهربائيا فتحركت آلة غريبة. في اعلاها جمجمة بشرية حقيقية تدور في وعاء معدني. امامها عينان صناعتان تدوران في اتجاهين مختلفين. اسفل ذلك تتحرك يدان في قفازات رخيصة. وعلى الارض حذاءان. كان واضحا ماذا تمثل هذه التركيبة: هذا هو الانسان.

صورة الانسان كما يراها فنان البوب ارت.

قد يضحك البعض، اما انا فلم يكن الامر مضحكا.

وبقية القاعة كانت مكدسة بعلب معلبات واسلاك ومصابيح كهربائية وجنود قصدير واحواض وانابيب لاجهزة منزلية ولا نهاية لهذا النوع من الاشياء.

هناك تقريبا شعرت بالغثيان. ثم فهمت السبب لاحقا.

هذا الفن لا يحقق تأثيره بالمهارة بل بالعدد والكتلة والهجوم. العمل الواحد لا يثير سوى الحيرة، لكن عندما تتجمع مئات الاعمال في قاعة واحدة وتهاجمك من كل جانب، يختلف الامر تماما. كأنها كائنات شريرة تخرج من كل زاوية.

وهنا قد تفقد حس الدعابة، وتبدأ بالتفكير بجدية.

تذكرت كلمات الاستاذ:

"تظنون انه سيرك. لكنه احتضار حقيقي."

كنت مستعدا ان اوافقه في شيء واحد على الاقل: ان هذا الفن مرآة.

مرآة تعكس للانسان في عالم الاغتراب صورته الحقيقية. العالم الذي يصنعه الانسان ثم يفلت من سيطرته. عالم الاشياء والآلات والمعايير والقوالب. عالم يتحول فيه الانسان نفسه الى شيء. الى دمية تحركها الاسلاك.

البوب ارت مرآة لهذا العالم.

وفي هذه المرآة يظهر الانسان.

لكن اي انسان؟

الانسان الذي تصالح مع اغترابه. الانسان الذي قبل هذا العالم كما هو. الانسان الذي باع روحه لهذا العالم مقابل الخردة. مقابل علبة معلبات. مقابل مرحاض.

وهذا الانسان لا ينبغي ان يندهش اذا صوره الفن على هيئة علبة او مرحاض او كومة خردة.

ربما هذا ما قصده الاستاذ النمساوي عندما قال ان البوب ارت قد يكون الشكل الوحيد الممكن للفن اليوم.

فاذا قبلت الحضارة البرجوازية باعتبارها الشكل الوحيد الممكن لوجود الانسان، فعليك ان تقبل البوب ارت ايضا باعتباره النهاية الطبيعية لتطور الفن المعاصر.

لكن من منظور ماركسي ينبغي فهم الامر بشكل اخر: ليس المطلوب محاربة البوب ارت نفسه، بل الظروف الاجتماعية التي انتجته.

فالتجريد والبوب ارت يعكسان القبح الحقيقي لشكل معين من العلاقات بين البشر، ذلك الشكل الذي يسميه العلم بالعلاقات البرجوازية.

والمودرنزم كله، من التكعيبية الى البوب ارت، ليس سوى شكل من اشكال التكيف الجمالي مع عالم الاغتراب. عالم يسيطر فيه العمل الميت على العمل الحي، وتسيطر فيه الاشياء على الانسان.

ومن خلال مرآة البوب ارت يمكن رؤية النهاية المحتملة ليس للفن فقط، بل للانسان نفسه اذا استمر هذا المسار الحضاري.

ولهذا ينبغي فهم البوب ارت لا باعتباره جمالا حديثا، بل باعتباره مرآة تعكس انسانا مشوها بعالم الاغتراب.

وهذا هو الشيء الذي ينبغي فهمه.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

ماركس الشاب والمادية القديمة (ابيقور- ديموقريطس) مدخل نظري لدراسة اطروحة ماركس لنيل الدكتوراه

نيكوس بولانتزاس: بحث في الأونطولوجيا الظاهراتية وتطبيقاتها على مستوى فلسفة القانون