ماركس الشاب والمادية القديمة (ابيقور- ديموقريطس) مدخل نظري لدراسة اطروحة ماركس لنيل الدكتوراه

 

ديموقريطس وابيقور تماثل ام اختلاف؟ لمشاهدة المداخلة على اليوتوب انقر هنا

إن اول الامور التي ينبغي علينا الانتباه اليها هو أن أطروحة ماركس تكاد تكشف عن مضمونها الصادم منذ البداية، ونعني هنا قضية الاختلاف. لقد كان ديموقريطس ماديا ذريا، وكان أبيقور ايضا ماديا ذريا، أين يكمن الاختلاف اذن؟ كيف يمكن لمنظومتين فلسفيتين متشابهتين من ناحية المبادئ الاولى ان تؤديان الى نتائج وخلاصات واستنتاجات مختلفة؟ تلك اذن هي القضية، وهي قضية تبيان الاختلاف بين منظومتين جرى التقليد الفلسفي على اعتبارهما متماثلتين.

نقرأ في بحث ماركس وبالضبط في الفصل الاول من القسم الاول الخاص بتوضيح موضوع البحث:

"يبدوا لي انه اذا كانت المنظومات الفلسفية السابقة (والمقصود هنا الفلسفة الما قبل الهلنستية) ذات دلالة وأهمية من وجهة نظر محتواها، فإن المنظومات الما بعد الارسطية، خاصة حلقة المدارس الابيقورية، الرواقية والريبية، تكمن دلالتها وأهميتها من ناحية الشكل الذاتي. وتحديدا هذا الشكل الذاتي، بما هو الاساس الروحي للمنظومات الفلسفية، هو الذي كان الى الان مجهولا ومهملا لصالح الخصائص الميتافيزيقية الخاصة بالفلسفة الاغريقية.[1] "

واضح اذن ان موضوع الكتاب العام يتمثل في دراسة الفلسفة الما بعد الارسطية او لنقل المدارس الهلنستية الثلاث: الرواقية، الريبية والأبيقورية والتي تعبر حسب تعبير ماركس عن الشكل الذاتي للفلسفة الاغريقية القديمة. ولقد اختار كمثال لدراسة هذا الموضوع اشكالية العلاقة بين ديموقريطس وأبيقور فيما يخص فلسفة الطبيعة واضعا نصب عينيه ضرورة النضال ضد الحكم المسبق القائل بتماثل الفلسفتين. علينا ان نتذكر في هذا السياق كتاب فيورباخ عن لايبنيز (1836)[2] ، حيث يكتب فيورباخ مقارنا بين فلسفتي سبينوزا ولايبنيز ما يلي:

"فلسفة سبينوزا تيليسكوب (مبدأه الوحدة) فلسفة لايبنيز ميكروسكوب (مبدأه التمييز)".

مما يعني ان الفارق بين سبينوزا ولايبنيز هو على غرار الفارق بين المجهار الفلكي والميكروسكوب "المجهر"، ومما يعني ايضا ان فلسفة سبينوزا تضع في متناول العين الموضوعات التي لا يراها الانسان بسبب بعدها، أما فلسفة لايبنيز فتضع في متناولها الموضوعات التي لا تدرك حسيا وبصريا بسبب صغرها ودقتها. ولعلنا الان نرى بوضوح ان ماركس في اطروحة الدكتوراه المبحوث فيها ينطلق من منطلق المنهاج الميكروسكوبي، من هنا حضور العبارة نفسها في نص البحث. فهو يحاول ان يبرز التفاصيل التي تميز بين فلسفتي الطبيعة عند كل من ديموقريطس وابيقور التي بحكم دقتها وصغرها قد  اهملها التقليد الفلسفي السابق، من هنا اهمية الميكروسكوب ومبدأ التمييز كما نجده عند لايبنيز.

وفي الفصل الثاني من القسم الأول "اراء فيما يخص علاقة فيزياء ديموقريطس بفيزياء أبيقور" نقرأ ما يلي:

"لقد قام كل من بوسيدونيوس الرواقي، نيكولوس وسوتيون باتهام أبيقور بعرض مذهب ديموقريطس الذري وما قدمه أريستيبوس حول مبدأ المتعة كما لو كانت أفكاره الخاصة ومذهبه الخاص. وحينما سئل الاكاديمي كوتا شيشرون عن الاختلاف بين فيزياء ديموقريطس وفيزياء ابيقور أجابه شيشرون على النحو الاتي: صحيح ان ابيقور قد صحح بعض النقاط والتفاصيل في فيزياء ديموقريطس الذرية، ولكنه لم يقم سوى بتكرار القسم الاعظم من تعاليم ديموقريطس.[3] "

ثم يورد ماركس نصا ل شيشرون نفسه يقول فيه ما يلي:

"في الفيزياء، وهو المجال الذي يكون فيه ابيقور اكثر ادعاء، يبقى ابيقور مجهولا وغريبا. فالجوهري يعود لديموقريطس. وفي الامور والقضايا التي كان يحاول فيها ابيقور تصحيح ديموقريطس او ان يتميز عنه، فلم يقم سوى بتعميق أزمته.[4] "

ويلاحظ ماركس بعدها انه بالرغم من وجود العديد من الكتاب الذين اقروا بافتراء ابيقور على ديموقريطس، فإن ليونتيوس، حسب فلوطرخس، قد أكد، على النقيض من هؤلاء، ان ابيقور قد مجد ديموقريطس لأن هذا الاخير قد تبنى المذهب الحق قبله ولأنه اكتشف مبادئ الطبيعة قبله. وفي كتاب فلوطرخس المعنون: DE PLACITIS PHILOSOPHURUM يلقب أبيقور بذلك الذي يفكر على طريقة ديموقريطس. ثم يبين ماركس كيف ان التقليد التاريخي الفلسفي، خاصة فلوطرخس في كتابه المذكور، وبعد ان قام بمقارنة ابيقور مع التقليد الفلسفي السابق حاول ان يبين كيف ان ابيقور قد تملك معرفيا كل ما هو خاطئ في الفلسفة الاغريقية وترك الصواب . طبعا هذا الموقف المعادي للأبيقورية الذي نجده عند المؤرخين المتأخرين الاغريق سيبقى حاضرا في كتابات اباء الكنيسة.

اذن نلاحظ ان التقليد الفلسفي قد قدم أبيقور كما لو كان مدعيا او سارقا لأعمال ومؤلفات الغير، وحتى يتسنى لماركس تلخيص الرؤية السائدة حول فلسفة ابيقور يحيل الى نص ل لايبنيز يختم به فصله الثاني من القسم الاول:

"من هذا الانسان العظيم (والمقصود هنا ديموقريطس) لا نعرف سوى ما اخذه منه أبيقور، وهذا الاخير لم يكن قادرا دائما على اخذ وتبني ما هو أحسن وأفضل"[5].

الان، ما هي الصعوبات والعراقيل التي تواجه الرأي او الموقف التقليدي السائد بخصوص ديموقريطس وابيقور القائل بتماثل الفلسفتين؟

"ومع ذلك –يقول ماركس- هناك لغز محير غير قابل للحل. كيف يمكن لفيلسوفين يدرسان ويتبنيان نفس العلم وبنفس المنهاج ولكنهما يتعارضان كليا فيما يخص الحقيقة، اليقين، تطبيق هذا العلم، وفي جميع المسائل والقضايا التي تحيل الى العلاقة بين الفكر والواقع على نحو عام. إني أقول أنهما يتعارضان كليا، وسأحاول الان البرهان على ذلك"[6].

أولا يبدوا –حسب ماركس- ان موقف ديموقريطس من الحقيقة واليقين فيما يخص المعرفة الانسانية غير واضحا او لنقل متناقضا. لقد تبنى الفيلسوف الألماني فريدريش أدولف تريندلنبرغ (فيلولولجي كانطي) في تعليقه على السيكولوجيا الارسطية موقفا يقول بأن هذه التناقضات ليس لها اي صدى لدى ارسطو وانما فقط في الكتابات القديمة. ولكن حسب ماركس، نجد ان ارسطو في نصه "في النفس" يقول عن ديموقريطس انه يضع النفس والعقل كشيء واحد لأن الظاهري هو الشيء الحقيقي. ولكنه يعود ويكتب في الميتافيزيقا ما يلي: ان ديموقرطيس يؤكد انه ما من امر حقيقي أو انه مخفي عنا. من هنا التناقض. اذا كان الظاهر هو الحقيقي، كيف يمكن للشيء الحقيقي ان يكون مخفيا؟ دون ان ننسى ان ديوجين اللايرسي عد ديموقريطس من الريبيين .

إن الظاهر الحسي لا ينتمي الى الذرات نفسها. مما يعني انه بالنسبة الى ديموقريطس لا يمثل هذا الظاهر الحسي ظاهرا موضوعيا، بل يتعلق الامر هنا بمظهر ذاتي. ان المبادئ والمنطلقات الحقة بالنسبة الى ديموقريطس هي تحديدا الذرات والفراغ، اما الباقي فهو عبارة عن أراء، او مظاهر. وهذه المبادئ الاولى هي غير قابلة للادراك الحسي وانما فقط يتم ادراكها من قبل العقل. من هنا مفهوم الفكرة لديه. ومن جهة اخرى، نجد ان الظاهر الحسي هو الموضوع الواقعي الحقيقي الوحيد، وان الأيستيزيس (الادراك الحسي)، هي هي الفرونيزيس (ما هو معقول)، ولكن القول بأن الظاهر هو الشيء الحقيقي هو قول متناقض. يختزل ديموقريطس اذن الظاهر الحسي، الواقع الوحيد إلى مظهر ذاتي، وكأننا هنا امام منظور يضع مفهوم الذرة في تناقض مع مفهوم الادراك الحسي. وهذا هو التناقض المحوري الذي يهيمن على تفكير ديموقريطس الذري حسب ماركس.

وهنا يظهر الاختلاف الاول الذي يضبطه ماركس بين ديموقريطس وأبيقور، فإذا كان الاول قد اعتبر الظاهر الحسي مظهرا ذاتيا، فإن أبيقور قد اعتبره ظاهرا موضوعيا. "فجميع الاحساسات تنذر بالحقيقي"[7] . من هنا نلاحظ ان أبيقور يتفق مع المبادئ الاولى لنظرية ديموقريطس الذرية ولكنه يقر برفضه اختزال الخاصيات الحسية الى اشياء وموضوعات بسيطة تخص الاراء.

نقول، مع ماركس، ان ديموقريطس يواجه عالم الادراك الحسي كعالم واقعي، لكن هذا العالم هو UNE APPARENCE SUBJECTIVE منفصل عن المبدأ (الذرة والفراغ) ومتروك في واقعه المستقل. وفي نفس الوقت، هذا العالم هو الموضوع الواقعي الوحيد. ومن هنا اتجاه ديموقريطس نحو تعظيم الملاحظة الامبريقية، والمعرفة الوضعية، على حساب الفلسفة التي لا تلبي ولا تجيب عن حاجاته الملحة. في حين نجد ان أبيقور قد وجد ضالته في الفلسفة، ونجده ايضا ينتقد العلوم والمعارف الوضعية. ولنقرأ هذا النص لماركس المترجم عن الفرنسية:

"ولكن، وبينما كان ديموقريطس يبحث عن المعرفة عند الكهنة المصريين، والكلدانيين في فارس، والجمناصوفيين الهنود (الجكماء العراة او الزهاد الهنود)، كان أبيقور يفاخر بأنه لم يكن له معلم، وأنه تعلم بنفسه. فبعض الناس، -كما يقر بذلك سينيكا- يطمحون الى الحقيقة دون مساعدة أحد، وبين هؤلاء بالذات سيشق ابيقور لنفسه طريقا بينهم، وهم الذين يغدق عليهم أبلغ المديح. أما الاخرون فليسوا، في نظره، الا عقولا من الدرجة الثانية. وبينما يدفع الفضول ديموقريطس الى زيارة مختلف ارجاء العالم، لا يغادر ابيقور حديقته في اثينا إلا مرتين او ثلاثة ليتوجه الى أيونيا، لا لإجراء أبحاث، بل لزيارة اصدقاء. وأخيرا، وبينما ييأس ديموقريطس من العلم فيفقأ عينيه، فإن أبيقور، حينما يستشعر اقتراب ساعة موته، يستلقي في حمام ساخن، يطلب نبيذا صافيا، ويوصي اصدقائه بأن يظلوا أوفياء للفلسفة".

ونجد أيضا الاختلاف بين الفيلسوفين ديموقريطس وأبيقور فيما يخص قضية العرضي والضروري. فالاول يبدو كفيلسوف الضروري، والثاني كفيلسوف العرضي او المصادفة. اننا نرى اذن ان كل من ديموقريطس وابيقور يتعارضان كليا، فالاول ريبي والثاني وثوقي، والاول يعتبر العالم الحسي مظهرا ذاتيا، في حين يعتبره الثاني ظاهرا موضوعيا. وذاك الذي أعطى للعالم الحسي مظهرا ذاتيا اتجه في اتجاه المعرفة الوضعية الامبريقية للطبيعة ونجده يمثل قلق الملاحظة الاختبارية، فهو يتعلم في جميع انحاء العالم ويسافر حيثما استطاع السفر. اما الثاني، الذي اعتبر عالم الظاهرات الحسية عالما واقعيا موضوعيا، فنجده يحتقر النزعة الامبريقية، ولم يتسنى له ترك حديقته الا مرة او مرتين. اما الريبي الامبريقي، الذي يعتبر الطبيعة الحسية مظهرا ذاتيا، نجده يعالجها من منظور الضرورة، ويحاول تفسير الوجود الواقعي للاشياء وفهمها. أما الفيلسوف الوثوقي، الذي اعتبر الظاهر الحسي واقعا موضوعيا، لا يرى سوى الصدفة والعرضي، وطريقته في التفسير تبدوا كما لو انها تنفي كل وجود موضوعي للطبيعة. ثم يعلق ماركس على جميع هذه المفارقات قائلا:

« CES CONTRADICTIONS SEMBLENT RENFERMER UNE ABSURDITE CERTAINE »

مفاهيم الحرية، الضرورة والمصادفة (او العرضي)

ان الموضوع الذي سنقوم بدراسته هذا اليوم يشكل من منظورنا احد اهم المفاتيح لفهم تكون المنظور المادي الفلسفي عند ماركس قبل كتابه الايديولوجية الألمانية. فالأطروحة التي كتبها ماركس سنة 1841 اختلاف الفلسفة الطبيعية عند ديموقريطس وأبيقور، ليست دراسة تاريخية فحسب، بل بحث أولي ومباشر عن اساس مادي جدلي جديد يتجاوز المادية الميكانيكية ويقترب من مفهوم "الذات الفاعلة" و"الحرية" داخل فلسفة الطبيعة. لقد أراد ماركس الشاب اذن في هذه الاطروحة ان يجيب عن التساؤل التالي:

كيف يمكن للمادة ان تكون اساس العالم، وأن تحمل في الوقت ذاته إمكانية الحرية؟

يكتب ماركس في مقدمة بحث الدكتوراه "الديسيرتاسيون" هذا النص الذي يستحق ان يذكر في كل مرة يتم فيها الحديث عن هذه الاطروحة:

"ستبقى الفلسفة، طالما الدم ما يزال يجري في قلبها الحر، حرية مطلقة، في قلبها الذي هو سيد الكون، وستظل تصرخ في وجه خصومها تلك الصرخة التي اطلق عنانها أبيقور: "ليس الزنديق من يحتقر الهة الجمهور، وانما من يتبنى فكرة ان الجمهور يصنع الهة". إن الفلسفة لا تنافق، وتتبنى قناعة برومثيوس: "أكره جميع الالهة". وهي تصفع بهذه القناعة جميع الهة السماء والأرض الذين لا يعترفون بأن الوعي الانساني هو القداسة الاسمى. ولا تشكو الفلسفة من منافس ولكنها ترد على الاشقياء الذين يسرهم ان الوضع الاجتماعي للفلسفة قد ساء بالرد الذي وجهه برومثيوس لهرمس خادم الالهة: "كن على يقين انني لن ابادل مصيري البائس بعبوديتك. فإنه لأحب عندي ان اظل ابد الدهر مشدودا الى هذه الصخرة على ان اكون الخادم الامين لزيوس الاب." يحتل برومثيوس في تاريخ الفلسفة المنزلة الاولى بين القديسين والشهداء."

         لا يتعلق الامر هنا بجرد افتتاحية ادبية يضعها ماركس في مقدمته، بل ان الامر يتعلق هنا ببيان فلسفي يكشف جوهر مشروع ماركس الشاب: الدفاع عن حرية الفكر بوصفها جوهر الفلسفة، وربطها بتراث ابيقور وبروميثيوس بوصفهما رمزين للتحرر من السلطة السياسية والسلطة الدينية. اننا نستوعب من خلال هذا النص، ان ماركس ينطلق من تعريف معين للفلسفة، فهذه الاخيرة عنده ليست علما جافا، وانما فعل حرية، وان دراسته لكل من ابيقور وديموقريطس ستكون بوصلتها هو مفهوم الحرية نفسه. مما يعني ايضا ان ماركس يرفض كل محاولة لاعتبار الفلسفة خادمة او تابعة للدين او مكملة للسلطة، ولهذا السبب يختار ابيقور وبروميثيوس رمزين له. فالأول يظهر باعتباره محررا للانسان من الخوف، والثاني يظهر باعتباره محررا للانسان من سلطة الالهة.

"ستبقى الفلسفة، طالما الدم ما يزال يجري في قلبها الحر، حرية مطلقة (...)" ان هذا التعريف الذي يضعه ماركس هنا للفلسفة ليس مجرد استعارة، انه يحيل الى ان الفلسفة لا يمكنها ان تكون انعكاسا ضروريا للطبيعة (كما هو الحال عند ديموقريطس) ولا يمكنها ان تكون تابعة للدين او للدولة، انها، على النقيض من ذلك، عين الوعي الحر الذي لا يعترف بسلطة اعلى منه. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن للفلسفة ان تنافق.

        ولكن، اذا كان العالم مغلق ومحدد سلفا، اي اذا كان العالم منسوجا فقط بالضرورة، فلن توجد لحظة قرار، ولن توجد ذات، ولن توجد ممارسة. مما يعني ان "الحرية" او "مفهوم الحرية" يحتاج إمكانية، فراغ، خطأ صغير، تشقق او انحلال للضرورة. وهذا التشقق هو بالذات مفهوم "العرضي" او مفهوم "المصادفة" عند ماركس. ان ظهور هذا المفهوم يحقق امكانية ان يصير العالم قابلا للتاريخ، قابلا للفعل، قابلا للتغيير وبالتالي قابلا لوجود انساني حر. وبالتالي يمكننا القول ان اساس مفهوم الحرية عند ماركس هو مفهوم العرضي او مفهوم المصادفة.

         ولعل ما اثار اهتمام ماركس بأبيقور منذ البداية يكمن في ان مفهوم المصادفة عنده يختلف عن مفهوم المصادفة في الفلسفات الاخرى. فالمصادفة عنده ليست نتاج جهلنا بالاسباب كما هو الحال عند ارسطو، كما انها ليست نزعة فوضوية او لا طبيعية، انها "مصادفة منظمة" او "عرضية ضرورية"، بمعنى انها تسمح بالحرية دون ان تدمر بنية الطبيعة وضرورتها.

في مفهوم الميل الزاوي للذرات[8]

         سنحاول الان ان نعالج قضية "الميل الزاوي للذرات عن الخط المستقيم" عند ابيقور باعتبارها تعبيرا عن "العرضية الضرورية".

         لقد أقر ديموقريطس بوجود نمطين اثنين لحركة الذرات، النمط الاول يخص حركة الذرات في خط مستقيم او لنقل سقوطها في خط مستقيم، والنمط الثاني ناتج عن عملية تنافر تحدث بين عدد من الذرات فيما بينهم. في حين نجد ان ابيقور يقول بحركة ثلاثية للذرة، ويضيف نمطا ثالثا بالاضافة الى النمطين الخاصين بديموقريطس، وهو النمط الخاص بحركة الذرة عندما تقوم بالميل الزاوي عن الخط المستقيم. وهذا النمط الذي اضافه ابيقور فيما يخص حركة الذرات هو الذي يشكل موضوع دراسة ماركس في الفصل الاول من القسم الثاني من بحث الدكتوراه.

         لننقل الى اللغة العربية ما كتبه شيشرون في هذا الصدد:

"يدعي أبيقور أن الذرات مدفوعة بواسطة وزنها من الاعلى الى الاسفل في خط مستقيم، وأن هذه الحركة هي الحركة الطبيعية للأجسام. ولكنه يفكر بعد ذلك ويقول انه اذا كانت جميع الذرات مدفوعة من الاعلى الى الاسفل، لا يمكن لأي ذرة بأن تلتقي بذرة أخرى. وهكذا يجد ابيقور خلاصه في كذبة. فهو يقول ان الذرة تميل قليلا، وهو امر مستحيل اطلاقا. ومن هذا الميل الزاوي توجد التشكلات، السفاد (الجماع)، والانتساب او الاندماج بين الذرات بعضها ببعض، ومنها يوجد العالم وجميع اجزائه، وكل ما يتضمنه."

ويستشهد ماركس بنص اخر لشيشرون مأخوذ من الكتاب الاول من متنه في طبيعة الالهة:

" عندما أدرك أبيقور أنه إذا كانت الذرات تدفع نحو الاسفل بفعل ثقلها الذاتي، فلن يكون اي شيء في مقدورنا، لأن حركتها ستكون محددة وضرورية، ابتكر وسيلة للتخلص من هذه الضرورة، وهو ما لم ينتبه اليه ديموقريطس. فهو يقول ان الذرة، مع انها تدفع من اعلى الى اسفل بثقلها والجاذبية، تنحرف وتميل قليلا ميلا طفيفا. وإن قولا كهذا اكثر عارا من العجز عن الدفاع عما يريد الدفاع عنه".

في النص الاول –  كما يلاحظ ماركس- يقول شيشرون أن أبيقور يقول بالميل الزاوي الذري لكي يفسر تنافر الذرات، وفي النص الثاني يقول بأن أبيقور يقول به ليفسر الحرية. ولكن، يلاحظ ماركس:

 "اذا كانت الذرات لا تلتقي الا من خلال هذا الميل الزاوي، فإن هذا الميل بما هو أساس للحرية سيكون اساسا لا لزوم له. وذلك لأن نقيض الحرية لا يبدأ، كما يقول بذلك لوكريتيوس، الا من خلال الالتقاء الضروري للذرات. واذا كانت الذرات، من جهة اخرى، تلتقي دون حدوث الميل، فإن هذا الاخير كأساس للتنافر يبدو لا لزوم له."

ها هنا يلاحظ ماركس ان شيشرون يقدم تفسيرين متناقضين للكلينامين اي للميل الزاوي عند أبيقور. ففي النص الاول يقر شيشرون ان ابيقور يفترض الميل لكي يفسر التنافر بين الذرات. أما في النص الثاني، فيقول ان ابيقور يفترض الميل لكي يفسر الحرية. ولكن كلا التفسيرين يفسدان منطق ابيقور ويحولان الميل الزاوي الى لغز لا وظيفة له. وهذا هو جوهر نقد ماركس لشيشرون فيما يخص قراءته لأبيقور.

         كيف ذلك ؟

         التنافر الذري عند ابيقور ليس شيئا ناتجا عن ميل لاحق، فالذرة من حيث هي ذرة تتميز بصلابتها وكثافتها واستقلالها عن غيرها، مما يعني ان مبدأ التنافر متأسس في ماهية الذرة نفسها، وليس في حركة تأتي من خارجها. من هنا يقول ماركس ان الميل الزاوي اذا فهم على انه اساس التنافر سيستحيل الى اساس لا لزوم له. أما اذا كان الميل "قد اخترعه ابيقور لتفسير الحرية الانسانية"، فإنه في هذه الحالة سيكون اساسا ميتافيزيقيا هشا، اذ يكفي ان تفهم حركة الذرات بطريقة مختلفة حتى تنتفي الحرية. وماركس في النص اعلاه يذهب ابعد من ذلك ويستشهد بلوكريتيوس: "نقيض الحرية لا يبدا الا عند التقاء الذرات التلقائي الضروري"، مما يعني ان الحتمية، الضرورة العمياء، لا تتحقق من سقوط الذرات بل من لحظة التلاقي التي تؤسس اجساما ووقائع. من هنا نستنتج ما يلي:

إذا كانت الذرات لا تلتقي الا عبر الميل الزاوي، فإن الضرورة نفسها (التي تتعارض معها الحرية) تعتمد على الميل. وبالتالي يصير فهم شيشرون القائل بأن الميل شرط الحرية غير ذي معنى، لأنه يساهم في انتاج نقيضها.

أما اذا افترضنا ايضا -كما يفعل شيشرون- ان الذرات يمكنها ان تتلاقى دون الحاجة الى الميل الزاوي، فعندها يصير هذا الاخير غير ضروري لتأسيس الطبيعة، ويصير بالتالي مجرد حدث عرضي لا مكان له في البنية الذرية. وبالتالي، ومن خلال شيشرون، يصير الميل اما اساسا للكل (الحرية والضرورة معا) او لا اساس لشيء (لأن الذرات تلتقي بدونه). والاحتمالين معا يلغيان وظيفة مفهوم الميل الزاوي الاصلية كما وضعها ابيقور.

أين أخطأ شيشرون (ومعه التقليد الفلسفي) بخصوص قضية الميل الزاوي الذري عند ابيقور من منظور ماركس؟

يستخلص ماركس من نقد شيشرون وبييل أن الاعتراضات القديمة على أبيقور تنطلق من تفسير خارج-فيزيائي للميل الزاوي، أي أنها تنظر إليه بوصفه إضافة اعتباطية أو “كذبة” كما يقول شيشرون، تهدف فقط إلى تفسير التلاقي أو الحرية. هذا الفهم ينطلق من تصور الشاهد الخارجي لحركة الذرات، لا من منطقها الداخلي. وهنا يظهر الفرق بين منهج ماركس ومنهج النقاد القدماء:

فالنقاد يفسّرون الميل الزاوي بوصفه حدثًا وقع خارج النظام، بينما يفسّره ماركس بوصفه ضرورة داخل نظام الذرة نفسها.

فالذرة عند أبيقور، كما يقرأها ماركس، تحمل تناقضًا داخليًا:

هي من جهة نقطة صورية خالصة في حركة سقوطٍ مستقيم، ومن جهة أخرى كيان صلب وكثيف يؤسس خصوصيته ضد المكان. هذا التناقض لا يُحلّ إلا بوجود مبدأ ثالث، وهو الذي يسمح للذرة بأن تنفي العلاقة الأحادية مع المكان، وتستعيد استقلاليتها كجسم فردي غير قابل للاختزال؛ وهذا المبدأ هو الميل الزاوي. لذلك فالميل عند ماركس ليس حادثًا اعتباطيًا، بل هو شرط ضروري لوجود الذرة كذرة؛ أي لوجودها ككيان يمتلك استقلالاً نسبياً داخل الفراغ. وهنا يظهر معنى «العَرَضية الضرورية» بوضوح: ميل الذرة عَرَضي من حيث إنه غير مُستمدّ من المكان ولا من خط السقوط؛ لكنه ضروري من حيث إنه وحده الذي يسمح بنشأة الصلابة والكثافة والخصوصية الذرية. ولو لم يحدث هذا الميل، لبقيت الذرة نقطةً تمحى في خط السقوط، كما يقول ماركس، ولأصبح التصميم الذري بكامله مجرّد ظاهرة هندسية لا تختلف عن حركة أي جسم في الفراغ. بهذا المعنى، الميل ليس حدثًا إضافيًا، بل هو النفي الضروري للضرورة الهندسية التي يفرضها المكان، وهو ما يجعل منه لحظة جوهرية في مفهوم الذرة، لا مجرد توضيح فيزيائي.

إن فهم شيشرون وبييل للميل بوصفه اختراعًا أبيقوريًا لتفسير الحرية يقوم على إسقاط ثنائية غير موجودة في فلسفة أبيقور: ثنائية “الضرورة مقابل الحرية”. فالحرية عند أبيقور ليست نقيضًا للضرورة، بل هي انفتاح الضرورة على إمكانية جديدة. أما عند شيشرون، فالحرية لا يمكن أن تكون إلا خروجًا من النظام الطبيعي، ولهذا فكل ميل غير مفسَّر يبدو له خرقًا للطبيعة. لكن ماركس يبيّن أن الميل الزاوي هو طبيعة الطبيعة في فلسفة أبيقور. إنه الحدّ الذي تتأسس فيه الطبيعة بوصفها عملية توليد (génération) لا بوصفها خطة هندسية مغلقة. ولهذا فإن إمكانية الحرية ليست ملحقة بالنظام الذري، بل هي خاصية داخله: فكون الذرة قادرة على الميل يعني أن العالم نفسه قابل لأن يختلف عن نفسه، وهو الشرط الأنطولوجي الأول لتأسيس ذات حرّة لاحقًا.

من هنا نفهم كيف أن “العَرَضية الضرورية” ليست تناقضًا لفظيًا، بل هي الاسم الحقيقي لمنطق أبيقور كما يقرأه ماركس: إن المصادفة ليست نفيًا للضرورة، بل هي اللحظة التي تولّد الضرورة نفسها كإمكان.

خصائص الذرة وإغترابها

نصل الان الى الفصل الثاني من القسم الثاني لأطروحة ماركس، وهو الفصل المعنون ب: خصائص الذرة. لقد لاحظنا في الفصل السابق كيف استوعب ماركس جدليا مفهوم الذرة عند أبيقور، وفي هذا الفصل ايضا يستمر ماركس في مشروعه النظري، وكأننا بصدد نزعة ذرية جدلية تتخذ من هيجل وابيقور معا مصدرا للمعرفة.

فبواسطة الخصائص (الحجم-الشكل-الثقالة) تنال الذرة وجودا يتعارض مع مفهومها، فتصير وجودا هنا مستلبا، ونعني هنا وجودا متعينا منفصلا عن ماهيته. و في هذا التناقض الذي يشير اليه أبيقور –حسب ماركس- تكمن اهميته في تاريخ الفلسفة. فديموقريطس لم يقم بمعالجة الخصائص في علاقاتها مع الذرة نفسها، ولا يقوم بموضعة التناقض المشار اليه سابقا (وجود-مفهوم)، والامر الوحيد الذي يهمه هو تمثل الخصائص في علاقتها مع الطبيعة المتعينة، فهي بالنسبة اليه ليست سوى فرضيات تفسر تعدد الظاهرات. من هنا اعتباره انه ما من علاقة ممكنة بينها وبين مفهوم الذرة.

«في كتاب Placetis Philosophorum نقرأ: "يؤكد أبيقور أن هذه الثلاثة الصفات تنتمي إلى الذرات: الحجم، الشكل، والثقل. أما ديموقريطس فلم يعترف إلا باثنتين فقط: الحجم والشكل؛ فأضاف أبيقور الصفة الثالثة وهي الثقل. نفس المقطع يظهر، مكررًا كلمة بكلمة، في كتاب Praeparatio Evangelica لإيوسيفوس."»

واستنادا على نص لأرسطو في الكتاب السابع لمتن مابعد الطبيعة يقول فيه ما يلي:

«يحدد ديموقريطس ثلاثة اختلافات بين الذرات. فحسب رأيه، الجسم الأساسي هو ذاته من حيث المادّة، لكنه يختلف من حيث: الشكل، أي ῥΥΣΜὸς؛ والمكان أو الوضعية، أي ΤΡΟΠΉ؛ والترتيب الداخلي أو التنظيم، أي ΔΙΑΘΙΓΉ

يستنتج ماركس ان خاصية الثقالة لا يعتبرها ديموقريطس خاصية من خصائص الذرة. ومن ناحية اخرى يلاحظ ماركس ايضا ان ديموقريطس لا يعالج خصائص الذرة الا في علاقتها مع تكون الاختلافات في العالم الظاهري، لا في علاقتها بمفهوم الذرة. من هنا نجد ان ديموقريطس لا يعتبر الثقالة خاصية جوهرية من خصائص الذرة، لأنها بالنسبة اليه بديهية (كل جسم خاضع للثقالة). ونفس الامر ينطبق ايضا على خاصية الحجم. فهذه الاخيرة يعتبرها كتحديد حادثي تناله الذرات في نفس الوقت مع الشكل. في حين نجد ان ابيقور يرى ان الحجم، الشكل والثقالة هي عبارة عن اختلافات تميز الذرة نفسها. وهكذا يستنتج ماركس ان معالجة خصائص الذرة توضح ان ابيقور قد موضع التناقض الداخلي لمفهوم الذرة بين الماهية والوجود، وبهذا استطاع ان يؤسس للعلم الذري. اما ديموقريطس فلقد ظل على مستوى الفرضيات الامبريقية.

الاثار العلوية

نصل الان الى واحدة من القضايا المحورية للفلسفة الطبيعية الاغريقية، والتي كان لها ايضا حضور في الفلسفة العربية الاسلامية، ونعني هنا قضية الاثار العلوية. اننا نرى من الضروري قبل الشروع في تلخيص افكار ماركس الشاب لهذه المسألة ان نوضح هذه القضية على نحو عام.

         وسنبدأ هنا من أرسطو، خاصة من تعريفه للفيزياء. انها تتخذ شكل العلم النظري بالموجودات التي تتضمن في ذاتها مبدأ حركتها ومبدأ سكونها. لم تعد الفيزياء اذن، كما كانت مع الفلسفة الما قبل السقراطية، علما بجميع الاشياء. بل ان المجال الذي يخص الفعل الانساني التقني والايتيقي والسياسي، وكل ما له علاقة بمابعد الفيزياء، لم يعد يرتبط مباشرة بالفيزياء. ان كون ارسطو هو كون نهائي او لنقل كل نهائي ولكنه في تغير وتحول مستمر، وكل حركة فيه هي من نتاج تأثير حركة اخرى، اي بلغة ارسطية كل محرك يتحرك. الا ان كل هذه الحركة ترتبط بمحرك اولي لا يتحرك. من أهمية متن الفيزياء الذي يدرس فيه ارسطو الحركة على نحو عام. ثم أهمية كتاب عن السماوات الذي يطرح فيه ارسطو تصوره الكوسمولوجي في الكتاب الاول والثاني، أما في الكتاب الثالث والرابع فيتعلق الامر بالكون والفساد حيث يهتم ارسطو بالعناصر التحت قمرية. وبعد ذلك تأتي أهمية قضية الاثار العلوية عند ارسطو. انها الاثار التي تحيل ايتيمولوجيا الى الاشياء في الاعلى التي تمكث في الجهة التحت قمرية. انها اذن جميع الظاهرات التي تحدث بين مدار القمر وسطح الارض. من هنا محورية الظاهرات الاتية بالنسبة الى هذا العلم: تساقط الامطار، الندى، قوس قزح، المذنبات، درب التبانة، النيازك. ويتعلق الامر ايضا ضمن الاثار العلوية بحركة البحار والانهار والرياح، بالزلازل وببعض الظاهرات الاخرى. ثم في النهاية يدرس ارسطو الكائن الحي.

         يمكن تلخيص افكار ماركس حول اهمية ابيقور ومنظوره لقضية الاثار العلوية في ثلاث نقاط:

أولا: منظور ابيقور للاثار العلوية لا يتعارض فقط مع ديموقريطس وانما مع الفلسفة الاغريقية بأكملها. لأن هذه الفلسفة كانت تقدس الاجسام السماوية على عكس ابيقور.

ثانيا: الاجسام السماوية تتميز عند ابيقور بعدم الثبات وبعدم الاستقرار من هنا وجود التفسيرات المتعددة للظاهرة الواحدة. تعدد التفسيرات يقوم بمحو وحدة الموضوع.

ثالثا: اننا لا نجد عند ابيقور معالجة للاجسام السماوية كما لو كانت خالدة وأزلية لأنها تتصرف على نفس المنوال دائما كما قال بذلك ارسطو. ان كل ما ينتج ضمن مجال الاثار العلوية ينتج على نحو متعدد وغير نظامي. من هنا اهمية تعدد التفسيرات.



[1] : Karl Marx, The Difference Between the Democritean and Epicurean Philosophy of Nature, Marx-Engels Collected Works Volume 1.p:11.

[2] : أنظر: لينين، دفاتر فلسفية، لودفيغ فيورباخ "عرض وبسط ونقد لفلسفة لايبنيز"، ترجمة إلياس مرقص، ص: 93.

[3] : Ibid. p : 13.

[4] : Ibid. p : 13.

[5] : Marx, Ibid. p: 15. Letter of Leibniz to Mr. Des Maizeaux, containing [some] clarifications....[Opera omnia,] ed. L. Dutens, Vol. 2, p[p]. 66[-67].

[6] : Marx, Ibid. p : 16.

[7] : هذا الموقف الذي عبر عنه ابيقور بخصوص ايمانه بالظاهر الحسي جعل هيجل يتخذ منه موقفا معاديا في محاضراته عن تاريخ الفلسفة. فالبنسبة الى هيجل، فإنه اذا اعتبرنا الظاهر الحسي هو الحقيقي، فإننا نحذف أهمية وضرورة المفهوم. ومن هنا رأى في هذا الطرح الابيقوري تأكيدا للرؤية الشائعة للاشياء "الدوكسا". إن أبيقور هنا، من منظور هيجل، لا يتخطى ولا يتجاوز الحس العام، او لنقل انه ينزل بكل شيء الى مستوى هذا الحس.

[8] : ترجمت هذه القضية في سياق بعض الابحاث العربية بنظرية "الانحراف الذري" او "انحراف الذرات عن الخط المستقيم". ان مقابل الانحراف في اللغة الفرنسية هوDéviation  ، والذرات في فيزياء ابيقور لا تنحرف وانما تميل بزاوية معينة، من هنا يتعلق الامر بكلمة déclinaison والتي تعني الميل الزاوي، اي الميل بزاوية معينة قد تكون متناهية في الصغر عن الخط المستقيم. لهذا غيرنا العبارة العربية السائدة "انحراف الذرات" ب "الميل الزاوي للذرات".


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

ما وراء المرآة؟

نيكوس بولانتزاس: بحث في الأونطولوجيا الظاهراتية وتطبيقاتها على مستوى فلسفة القانون