نيكوس بولانتزاس: بحث في الأونطولوجيا الظاهراتية وتطبيقاتها على مستوى فلسفة القانون
الفصل الأول: الأونطولوجيا الظاهراتية
لقراءة الجزء الأول من كتاب بولانتزاس القانون وطبيعة الأشياء
النظرية الظاهراتية
الماهيات:
سنشرع
الان في دراسة مفهوم الاونطولوجيا من خلال فحص للنظرية الظاهراتية وتداعياتها في مجال
فلسفة القانون. ونؤكد منذ البداية، على اننا لا نسعى الى نقد وعرض تحليليان
ومتكاملان لهذه النظرية، وسنكتفي بالأبعاد التي تهم فلسفة القانون على نحو مباشر.
سنعرض في البداية ما هو جوهري في النظرية الظاهراتية، معمقين اياه وناقدين له على نحو تدريجي، بقدر
تقصينا لفلسفات القانون الظاهراتية.
لا
ينبغي في البداية ان نسيء فهم مفهوم "الظاهرة". بحيث لا ينبغي ان نفهمه
بمعنى كانطي[1]،
أي بمعنى يلقي تمييزا جوهريا بين "الشيء في ذاته" Ding-an-sich، وبين ما هو
ظاهر وقابل للفهم الانساني. لا يتخذ مفهوم الظاهرة بالنسبة للفلاسفة الظاهراتيين مرتبة
أقل من الوجود في ذاته[2]، فلا يوجد، بالنسبة للظاهراتية،
اي غموض يجعل الوجود في ذاته صامدا امام الفهم الانساني. فكل وجود يتمتع بالشفافية
حيال الموقف الانساني، وهكذا يكون وجود العالم هو هو وجوده بالنسبة لنا، اي يكون
وجوده ظاهره، ليس باعتباره رمزا او دلالة لمدلول غامض، وانما باعتباره واقعا أصيلا
غير قابل للاختزال.
وهل
يعني هذا أن هوسرل يتخلص من مفهوم "الماهية"؟ لا نظن ذلك. ولكنه سيستوعب
مفهوم الماهية ليس باعتباره مفهوما متعارضا مع مفهوم الظاهر، وانما نمطا محددا،
وصنفا من الظاهرات.
كيف
تطرح اذن مشكلة الماهية في فكر هوسرل؟ لقد انجز هوسرل نقدا ل « psychologisme » "النزعة السيكولوجية" والتي تماثل
بين الذات السيكولوجية والذات العارفة. فحسب هذه النظرية السيكولوجية، لا تكمن
حقيقة حكم ما، وواقعية مفهوم ما، الا في تمثلات ذاتية يقوم بها وعي ما. وبهذا لا
يمكن القول بوجود حقيقة غير مستقلة عن المسارات السيكولوجية التي تقود إليها:
وبالتالي فإن الحقيقة من منظور هذه النزعة السيكولوجية، "ليست الا ميكانيزما
نفسيا توج بالنجاح"[3]. وعلى النقيض، ترى
الظاهراتية ان كل ما يمكنه ان يمثل موضوعا لوعينا، سواء كان هذا الموضوع، مفهوما،
قيمة، فكرة، أم معطى مادي، او نتاج خيال إلخ، يمثل ماهية لازمانية intemporelle « Wesenheit »، خارجة عن الوعي نفسه، وبهذا المعنى تحديدا،
-كما سنرى ذلك- تتحقق "موضوعيته". اذن، تتكون الماهية الظاهراتية من
مجموع العناصر القبلية aprioriquesالتي من خلالها يتحدد موضوع الوعي كوجود، بمعنى يكون
"أ"،"ب" أو "ج". وعلى هذا النحو يطرح هوسرل المشكل
الابستيمولوجي لوجود الافكار، المفاهيم، المعطيات المادية، الموضوعات الواقعية
والخيالية، والذي لا يمكن اختزاله لا الى معطيات النفس، ولا ايضا الى المعطيات
الامبريقية المحضة. لا تكشف المعطيات الامبريقية الا عن العرضي والجزئي. واما
الماهيات، فهي على النقيض من ذلك، تمثل كليات تتجاوز كل موضوع جزئي، إنها تشكل
موجودات كلية، تتشارك فيها الموضوعات الخاصة[4]، باعتبارها عناصر مندمجة.
ونلاحظ
هنا، وستكون لنا عودة الى هذه النقطة، ضرورة تمييز هوسرل مبدئيا في هذه المسألة عن
الأفلاطونية. فهو لا يؤكد على "وجود" عالم متعالي للماهيات يكون ذا
مرتبة أرقى من عالم الموضوعات الجزئية. فالماهيات القبلية Les « essences aprioriques » هي هنا محايثة « immanentes » للأشياء، انها تشكل ما يجعل ممكنا كشف وجود الاشياء ذاته، وتأسس لكل
تجربة امبريقية وجزئية للموضوعات. وبالتالي فإن هذه الماهيات القبلية تكون
سابقة لكل موضوع وتجربة ملموسة وامبريقية. وواقع ان كل معطى وكل تجربة ملموسة
يفترضان هذه الأسبقية، هو الذي يدل على أولية الماهيات، وطابعها القبلي، في
علاقتها مع العالم الامبريقي. فعلى سبيل المثال، يمكننا ان نفسر التكوين الامبريقي
للعدد أربعة او لمثلث، ولكن هذا التفسير، يفترض مع ذلك مفهوما معينا لما نود تفسير
تكوينه الامبريقي، اي صورة « eidos » الشيء. وهكذا فإن التأويل الامبريقي للعدد
أربعة يفترض المفهوم الاصلي للعدد أربعة. وهذا المفهوم يشكل شرطا لكل تجربة او
"علما" امبريقيا بهذا العدد، وبالتالي فإن الصورة « l’eidos » هي امكان
محض ولكنها تتمتع باسبقية في علاقتها بكل موضوع جزئي يهتم به العلم الامبريقي.
تطبق
اذن الظاهراتية مبدأ "العودة الى الأشياء ذاتها" محاولة التأسيس لتجربة
تقودها الماهية الصورية الأصلية للموضوع[5]. بإمكاننا القول أنها بهذا
المعنى تقترب من الديكارتية، لأنها لا تريد ان تجعل من معرفة الماهيات الايديتية
الهدف الأقصى للمعرفة، وانما مدخلا لمعرفة العالم المادي. اننا نلاحظ هنا مدى
اهمية مفهوم الماهيات الايديتية القبلية les « essences eidétiques aprioriques » القصوى، وبالتالي ايضا اهمية ماهيات القانون، بالنسبة لكل من
رايناخ، هوسرل، وجاردي، الخ.
لنسجل
على كل حال، فيما يخص هذه النقطة، مكتسبا هاما للنظرية الظاهراتية – وسنجد الفرصة
في احيان كثيرة للعودة اليه- يتعلق بتسليطها الضوء على الطابع الواقعي
للموجودات المثالية. كل موضوع تجربة، وكل "ظاهر" واقعي، -بالمعنى
المادي- او المثالي، واقعيا كان ام خياليا، يجسد واقعا ظاهراتيا. وهكذا فإن
المفاهيم، القواعد، والقيم القانونية تمثل واقعا لكونها تجسد ظاهرات بالنسبة لنا،
مواضيع لمقاربتنا. وهذه المعالجة الجديدة "للوجود" او
"للواقع"، بتضمنها كل موضوع للوعي، ستمكن من معالجة المعايير، القيم،
والمفاهيم القانونية في وجودها ذاته، وفي واقعها بما هي موجودات توجد أمامنا
وقابلة للملاحظة. ولعل معالجة هذه القيم والمعايير باعتبارها وقائع وموجودات ستمكن
من دراسة بنيتها الداخلية نفسها، وهذه الدراسة، كما سنرى، سنجدها أحيانا، -من خلال
تأويل خاطئ للنظرية الظاهراتية- وكأنها
مستقلة عن فحص هذه القيم والمعايير، وعن اساسهما الاكسيولوجي. إن محاولات كلسن[6]، كوسيو، و ج. هوسرل، وبعض
مناطقة القانون المتأثرين بالمعالجة المنطقية المحضة للمعايير القانونية بما هي
موجودات واقعية « Normlogik »، تدخل ضمن هذا المنظور.
مفاهيم القصدية، التعالي والموضوعية:
إن
المشكلة المركزية لهذه الدراسة والتي تتعلق بقضية محايثة الدلالة للواقع، تقودنا
الى معالجة بعد اساسي اخر من ابعاد الظاهراتية، والذي الى الان، لم نشر اليه
لأسباب تتعلق بتبسيط العرض. فهل تمثل الماهيات الايديتية القبلية les essences eidétiques aprioriques، بالمعنى الظاهراتي، دلالة محايثة؟ كيف تطرح
قضية "تكوين الدلالة" في الفلسفة الظاهراتية؟
اننا
نلاحظ الى غاية الان ان النظرية الظاهراتية تؤدي الى نظرية لصورة موضوع البحث
العلمي
« eidos ». ومع ذلك
فإن جدة وأصالة الظاهراتية تكمن في كونها تعتبر عالم الماهيات القبلية كمجال
للتجربة. فإذا كان هوسرل يضع على نحو جيد مشكلة صورية المواضيع، فإن هذه الصورية،
كما رأينا، لا تشكل واقعا في ذاته. فهي موجودة على نحو مباشر في الموضوع نفسه، وهي
موجودة لأن كل موضوع،-بما في ذلك الماهيات القبلية- هو ظاهرة "فينومين"،
ووجود من أجلنا. لا توجد ماهية في ذاتها لأن لا شيء يوجد في ذاته في هذا العالم،
وذلك لأن كل موضوع هو متلازم « corrélatif » لوعي، ولتجربة لهذا الموضوع تحياها ذات
معينة. كل وعي اذن لا يمكنه ان يتجه الا خارج نفسه، اي نحو موضوع محدد[7]. يتبنى هوسرل هنا نظرية
أستاذه فرانز برينتانو[8] والقائل بأن للوعي طابع
"قصدي" بالضرورة، فهو يتجه جوهريا نحو محتوى خارجي عنه. يكون الوعي هنا
خارج ذاته، وفي اتجاه نحو شيء اخر. أما الموضوع فيعرف باعتباره Gegenstand، اي ما يوجد
امام الوعي، وهذا الاخير ليس الا ما يجعل ممكنا تحقيق المواجهة مع الموضوع. يكون
الوعي بالدرجة الأولى جهدا نحو اخر غير الذات، وانشدادا نحو موضوع وقصدية. ولا
تشكل هذه القصدية اذن خاصية لمعطى خاص بالوعي، للادراك على سبيل المثال، وانما هي
نمط الوجود الخاص بموجودين لا يمكنهما الوجود الا وهما متلازمان، اي الذات
والموضوع. فكل تجربة للذات تتجه نحو موضوع تشارك في نمط الوجود الذي هو هو
القصدية. وبالتالي يوجد من القصديات بقدر ما يوجد من مقاربات ممكنة للذات نحو اي
موضوع واقعيا كان ام خياليا، ماهية كان ام
موضوعا عيانيا وملموسا.
ونرصد
ها هنا واحدة من الاختلافات الاكثر اهمية بين كانط وهوسرل. يهتم هوسرل، على غرار
كانط، ب"مقاربة" الموضوع من قبل الذات. ولكن كانط يضع ذاتا
"نومين" (غير قابلة للمعرفة)، هي منبع الممكنات المجردة لكل معرفة، او
الافعال الممكنة المتجهة نحو موضوع ما، وهذه الامكانات –كما سبق ورأينا- لا يمكنها
ان تقتحم التجربة الامبريقية والجزئية لذات عيانية نحو موضوع معطى. ولكن ما يهم
هوسرل، على عكس كانط، هي العلاقة الملموسة التي قد تقيمها ذات معينة مع موضوع
محدد. وعلى هذا النحو يصل كانط الى المثالية التي يحاول هوسرل مراوغتها. بالنسبة
الى كانط، تتميز مقولات الفكر المفاهيمي التكوينية بدور خالق ومبدع، فهي تقوم بفعل
تحويلي مادي لمعطيات الحدس الحسي نفسها. أما هوسرل، فعلى العكس، لا يحتل عنده
التركيب المفاهيمي الذي تقوم به الذات « la
synthèse conceptuelle »، والذي يشكل
معرفة، مرتبة تخوله ان يكون خالقا ومبدعا للدلالات، "إنه لا يشكل ولكنه فقط
يثبت"[9]. فكانط يربط عملية تكون
دلالة خاصة بالموضوع بالنشاط المفاهيمي للذاتية، أما هوسرل، فيكتشف – مبدئيا فقط،
وهذا ما سنراه- معنى العلاقة المتلازمة للموضوع مع الذات. وبهذا تتحدد عنده دلالة
الموضوع، لا في مجال الذات، وانما في مجال التجربة المكون من قبل الانشداد القصدي
للذات نحو الموضوع[10]، الى ان يبلغا نقطة
الالتقاء التي ينفذها انشداد كل منهما نحو الاخر.
وهكذا
يغير هوسرل معنى مفاهيم التعالي والموضوعية نفسها. فالتعالي لا يعني فقط بالنسبة
له، شيئاخارجيا ومستقلا عن كل تجربة مشخصة وجزئية، ولكن يعني ايضا حركة ومنتهى
موقفنا حيال شيء ما خارجي عنا[11]. وبهذا يقدم هذا المفهوم
معنى يحيل الى نمط تقديم، معرفة ومقاربة الموضوعات على نحو عام. نقول اذن، التعالي
نحو الاشياء، الموضوعات، العالم، والموجودات الأخرى غيرنا- وبالتالي ايضا نحو وجود
القانون.
ويرتبط
مفهوم الموضوعية نفسه بمشكلة تخص معرفة اذا ما كانت "دلالة" الموضوعات
ذاتية ام موضوعية. وهذا التمييز بالتحديد هو ما يريد هوسرل اقصاؤه. فوضع المشكلة،
بالنسبة اليه، انطلاقا من مفاهيم الذاتية والموضوعية، يعتبر وضعا خاطئ، لأن هذا يفترض
ذاتا وموضوعا متمايزان اصليا. في حين، يؤكد الموقف الظاهراتي، على اننا نكتشف
الذات والموضوع على نحو متلازم corrélativement، في تكوين متبادل للدلالة، وبقدر تحقق
لقاءهما الملموس. تكمن الموضوعية، أي وضعية شيء ما بما هو موضوع، في واقع ان له
دلالة، وهذه الاخيرة لا تكون للشيء الا بقدر ارتباطه بذات معينة[12]. وبما أن الذاتية، لا توجد
الا كقصدية، فهي تتحدد كتركيب، يكون داخل الذات، لجميع التجارب الجزئية المكونة
للموضوعية، وبالتالي فهي تتضمن على نحو مسبق، كل التجارب الممكنة نحو الموضوع، لأن
هذه التجارب تتأسس –كما رأينا- في صورة الموضوع « L’eidos de l’objet »، وهذه الصورة الخاصة بكل موضوع للوعي تنكشف لنفسها في تجربة ذاتية
للذات نحوها، « Wesensschau »، رؤية الماهيات الايديتية (حدس الماهيات).
"لا توجد الا طريقة وحيدة كفيلة بتفسير الارتباط المتبادل بين كل من الذاتية
والموضوعية، أي من خلال تشكيل الموضوعية داخل الذاتية. ترتبط الذاتية على نحو
ماهوي بالموضوعية، لأن ماهيتها هي تشكيل هذه الموضوعية. وترتبط الموضوعية على نحو
ماهوي بالذاتية، لأن ماهيتها تتحدد في وجودها كقصدية منطلقة من عفوية
ذاتية..."[13].
اننا
نلاحظ ان الظاهراتية تدعي ان تكون، اصليا على الاقل، موجهة نحو تحليل تجارب الذات
الملموسة والعيانية نحو الموضوع، وليس نحو تحليل الماهيات الايديتية او الموضوعات
"في ذاتها". فالماهيات الذاتية نفسها سيتم ضبطها في تجربة قصدية جزئية،
ونعني هنا حدس الماهيات، « Wesensschau » [14].
الإختزال الظاهراتي (الإيبوخي،epokhê) :
ان
الفكر الظاهراتي، كما سبق لنا ان رأينا، لا يركز على الماهية ولا على الموضوعات
نفسها، وانما على التجارب القصدية للانسان المتجهة نحوها. غير ان هوسرل لا يصل الى
هذا الاستنتاج الا عبر درب عسير له دلالته. ففي الواقع، فإن المشكلة المطروحة على هذا
المستوى من التحليل، تتعلق بوجود الموضوعات نفسها. فهذه الأخيرة، لا تبدوا سوى
ترسبا من ترسبات الدلالات والمعاني الانسانية. وهل يفترض هذا القول موقفا
ميتافيزيقيا، ينفي وجود العالم، حتى في شكله المحايد، من خارجنا، وقبل ان تشكل
الذوات دلالة له، تماما كما هو الأمر عند السوفسطائيين؟ أم يوضع هذا الوجود موضع
الشك، كما يفعل اللأدريون والريبيون؟ لقد حاول هوسرل تفادي هذه المشكلة[15]. فبالنسبة اليه فإن كل
تجربة تتجه نحو موضوع تفترض "موقفا طبيعيا"، فهو يقول بأن هذا العالم
موجود حقا هنا، ويقبل به كوجود. وبالتالي فإننا نجد انفسنا منذ الأصل في عالم يتجه
صوبه كل نشاطنا القصدي. ولكن، وبمجرد القبول بهذا الوجود للعالم، بامكاننا عدم
توظيف هذه القناعة، ومحاولة تفاديها حتى لا نؤسس انطلاقا منها ميتافيزيقا للموضوع،
او رياضيات كونية mathesis universalis، وأن لا نأخذ بعين الاعتبار هذا الحضور وهذا
القبول الطبيعي بوجود العالم، وذلك لغرض ابيستيمولوجي. وهكذا تضع الظاهراتية مشكلة
وجود الموضوعات بين قوسين وتطبق عليها، حسب التعبير الاغريقي، الايبوخي epokhê، وبهذا
تختزل وتوضع على الانتظار وبين قوسين، الموضوعات، والمحتويات القصدية، لكي نتمكن
من تركيز الرؤية الفلسفية فقط على علاقة الذات "المعزولة" بالموضوعات. وعلى
هذا النحو، توضع بين قوسين كل موضوعات تجاربنا الممكنة من مفاهيم، ادراكات، نتاجات
خيالنا الخاص، المعطيات النفسية، الاحداث الاجتماعية، التاريخية، المعطيات
والظاهرات القانونية والفنية، باختصار، جميع موضوعات العلوم الطبيعية والعلوم
الانسانية. ان تشكل مفهوم القصدية، مرتبط على هذا النحو، بوضع الموضوعات التي تتجه
نحوها هذه القصدية موضع الانتظار (التعليق). (Ausschaltung)
الذات الترنسندنتالية والتغاير التخيلي:
ومن
خلال عملية الاختزال تلك، يظهر مشكل اساسي في الظاهراتية، هو مشكل الذاتية.
في
الواقع، فإن عملية وضع الموضوعات بين قوسين تسلط الضوء على موجود خاص، اي الذات
التي من خلالها وبفضلها توجد "موضوعات" قصدية. وهذه الذات تتميز تميزا
جوهريا عن العالم في اطار الايبوخي. فهذا العالم رغم كل شيء، لا يمكنه، سواء وضع
بين قوسين ام لا، ان يقصي امكانية الشك "المثالي" فيه ووضع احتمالية عدم
وجوده الموضوعي، بالمعنى الكلاسيكي لهذا المفهوم. وعلى النقيض، تقدم الذات –والتي
تسمى بعد الايبوخي الأنا أو الأنا المحض (او الانا الخالص)- تقدم لنفسها بداهتها
الخاصة بها. وفي ادراك محايث، يقدم الوعي الذاتي الذات في ذاتها. وبالتالي يكون
وجود الذات بداهة يقينية Evidence
apodictique،-ان ذات
معطاة لا يمكنها ان لا توجد-، وذلك من خلال الايبوخي نفسه الذي يضع على نحو
متلازم، عرضية العالم في مقابل الذات. وفي حين يتم اعتبار جميع الماهيات الأخرى
تعبر عن نفسها باعتبارها ماهيات بالنسبة للأنا المحض، يقدم هذا الاخير ماهيته
لنفسه: إنه "الموجود الوحيد المطلق والجلي"[16].
وعلى
هذا النحو الغير المنتظر[17]، تتجه الظاهراتية نحو رؤية
متعالية –بالمعنى الكلاسيكي- للذات، ونحو نزعة ذاتية متطرفة للإيغو الترنسندنتالي،
وهو المفهوم الذي سنعالجه بعد قليل . إنها تصبو، وكما توضح ذلك عناوين كتبها[18]، نحو ظاهراتية
ترنسندنتالية. ولعل كل مجهود هوسرل الابستيمولوجي يبتغي وصف الايغو الترنسندنتالي
باعتباره الاساس الأخير لدلالات الموضوعات. وبهذا لن تشكل الظاهراتية منذ الان،
دراسة للماهيات الصورية (الايديتية) لهذه الموضوعات، ولا للتجارب القصدية المشخصة
المتجهة نحوها. وستكتفي بوصف الوعي المحض والأنا المحض،"لأفعالهما القصدية
ووظائفهما في التكوين الترنسندنتالي للموضوع التابع لهما"[19]. وبهذا تتحول الظاهراتية
الى égologie transcendantale معرفة تهتم اساسا بالأنا الترنسندنتالية،
أما تقصي الماهيات الايديتية الأخرى فسيستحيل من مواضيع الاونطولوجيا، التي يتيميز
معناها الجديد عن القديم. وتعد "التأملات الديكارتية" التعبير الأكثر
راديكالية عن هذه المثالية التي لا تعتبر فقط ان العالم لا يوجد الا من اجل الأنا،
ولكنها ايضا تستخرج من الأنا كل مشروعية أنطولوجية. وهكذا يستحيل العالم الى
"عالم مدرك في الحياة الفكرية"، "...ويستحيل تشكيل الدلالة محاولة عظيمة لتكوين تدريجي لدلالة العالم دون
بقايا اونطولوجية. والأكثر من ذلك، نجد هوسرل في التأمل الرابع ينظر لفكرة،
الانتقال من ظاهراتية متجهة نحو الموضوعات الى ظاهراتية متجهة نحو الانا، حيث يكون
هذا الاخير ذاته على نحو مستمر كوجود"[20].
وستقابل
هذه النتيجة التي تتوصل اليها النظرية الظاهراتية باستحسان النقاد الكانطيين الجدد
من امثال: ناطورب Natorp ، ريكير Rickert، كرايس Kreis. في الواقع،
فإن المشكلة تتعلق منذ هذه اللحظة، سواء بالنسبة الى كانط ام بالنسبة الى هوسرل،
بمسألة موضوعية الدلالة. فهل يمكن التفكير فيها، اي هذه الموضوعية، انطلاقا من
شروط الامكان القبلية للذات الترنسندنتالية، المتمايزة ماهويا عن العالم، ام
انطلاقا من الدلالات التي تضفيها التجارب القصدية المشخصة للذات على هذه المواضيع؟
ستكون لنا عودة الى هذه المشكلة حينما سنتطرق لدراسة تطبيق النظرية الظاهراتية في
مجال القانون. وسنكتفي بالاشارة الى ان فكر هوسرل يقدم هنا، بدون ادنى شك، تطورا
نحو المثالية. "عند هوسرل نفسه نجد ان المنهاج متصل بتأويل مثالي يجسد جزءا
هاما من الاعمال المنشورة ، وينزع هذا التأويل الى وضع الظاهراتية في نفس مكانة
الكانطيات الجديدة التي ستظهر في بداية القرن"[21]. "وهذا "التطور" الذي خضع له فكر
هوسرل، هو من منظورنا انحراف اكثر منه تقدم، وعلى كل حال، فإن هذا التطور لا يتوقف
عن طبع هذا البعد الجديد لفكر هوسر بطابع مثالي واضح."[22].
إلا
أن هذا التطور، الذي هو في الواقع ليس الا نتاج بنى فكر هوسرل نفسها، لن يتأخر في
ارباك فلاسفة القانون. إنه لمن النادر ان يطبق أحد المنهج الظاهراتي في شموله على
القانون، دون ان يكتفي اعتباطيا ببعض العناصر او النزعات[23].
لقد
رصدنا أن هوسرل قد ألح، على نحو خاص، على ماهية الموضوعات الصورية L’essence eidétique des objets بما هي متلازمة مع تجارب البشر القصدية. ولكن، وبمجرد وضعه لهذه
الموضوعات بين قوسين، نجده يتوصل الى نزعتين متمايزتين:
الأولى
تقول، بأن هذه الماهيات الايديتية الموضوعة بين قوسين، تكتسب –كما سنرى ذلك- نمطا
خاصا من الأقنمة hypostasiation، وتنتهي بأن تأخذ شكل الواقع الأفلاطوني.
وبهذا لن تكون العلاقة ذات-موضوع المتلازمة هي من تشكل دلالة هذه الماهيات، وإنما
ستكون هذه الدلالة "محايثة" لها، في نفس الوقت الذي ستقدم هذه الماهيات
نفسها باعتبارها متعالية عن الموضوعات الجزئية التي تنتمي اليها. وهذه النزعة
بالذات، هي التي نجدها سائدة عند المشرعينن القانونيين الفلاسفة من أمثال: أ.
رايناخ Reinachو ج. هوسرل G.
Husserl، بالرغم من
أن هذا الأخير قد حاول التأكيد على تجارب الذوات القانونية نحو المعايير القانونية
عوض بنى الحق الصورية والقبلية في ذاتها. وبهذا التيار أيضا سترتبط نظرية العالم
المتعالي للقيم الموضوعية والمادية، والتي نجدها عند كل من شيلر Scheler وهارتمان Hartmann، والتي
تمارس تأثيرا عظيما اليوم على الفكر الفلسفي القانوني، خاصة عند كل من، كووينج Coing، وفيشنر Fechner، الخ.
وبالموازاة
مع اقنمة الماهيات الايديتية، تنعزل الذات أكثر فأكثر في العالم. فتستحيل، هذه الذات،
في النزعة الثانية لفكر هوسرل، ذاتا محضة. ولن تكتشف الماهيات الايديتية في تجربة
قصدية متجهة صوبها، اي Wesensschau، وانما من خلال "تغاير تخيلي" محض[24]. وسيتم توظيف هذا التغاير
للموضوع على نحو اعتباطي من خلال عملية تخيلية الى غاية التوصل الى "وعي بعدم
الامكان"، الى يقين بأن فوق كل تغاير، لن يبقى الموضوع على ما هو عليه. وستستحيل
صورة الموضوع مكونة من خصائص ثابثة، ومتماثلة، بواسطة التغايرات. وهكذا تقطع كل
رابطة مع الموضوع الملموس والعياني: وهذا المنطلق هو الذي حاول Gardies تطبيقه على
القانون.
وأخيرا،
وفي المرحلة النهائية لهذه النزعة الثانية، يستحيل الأنا المحض ذاتا ترنسندنتالية،
مقتربا بذلك أكثر فأكثر بالذات الكانطية. وعلى اساس هذه النزعة سيحاول كوسيو Cossio على سبيل
المثال، تأسيس نظرية في القانون متمركزة على الأنا « une théorie égologique du droit ».
الظاهراتية وأونطولوجيا القانون:
موضع المشكلة حسب فكر ادموند هوسرل:
ويمكننا
في البدء اذن، اكتشاف، في اطار الفكر الظاهراتي، اصول اساس أول للاونطولوجيا
القانونية في معنى مفهوم القصدية ذاته. لقد أكد هوسرل على ان كل حضور للانسان في
العالم يتضمن بنية اصلية، نوعية، ما قبل محمولية، "نحو" شيء اخر غير
الذات. وكل موقف ملموس للانسان حيال الموضوعات يشارك في نمط الوجود الانساني هذا
الذي هو القصدية. إنها تمثل الوضعية الخاصة للانسان-في-العالم. من هنا، ستشارك
الاونطولوجيا القانونية في دراسة البنى الاساسية والضرورية لتكوين دلالات
الموضوعات من خلال المواقف الانسانية المتجهة صوبها. يكون الانسان اونطولوجيا
قصدية، انفتاحا على العالم، موقفا نحو الموضوعات، وستركز أونطولوجيا القانون على
دراسة المواقف الاصلية والنوعية للانسان-في-العالم والتي ستكون اساس القانون.
في
الواقع فإن الفكر الوجودي هو الذي ركز على الامكانات الاونطولوجية للظاهراتية:
"وعلى امتداد مسار القصدية نجد موضوعة الوجود-في-العالم الصريحة في ظاهرية
هوسرل الاخير، وفي ظاهرية هايدجر، وايضا في ظاهرية الوجوديين الفرنسيين"[25]. وعلى هذا الاساس يعالج
مايهوفر Maïhofer الاونطولوجيا القانونية، وهذا ما سيشكل ايضا
منطلقنا في البحث والتقصي.
أما
فيما يخص الظاهراتية، فهي لم تتمكن من حصد الاستفادة المرجوة من مواقفها. فبسبب
"الايبوخي"، لم تتمكن الظاهراتية، على عكس الوجودية، من التأسيس
لأونطولوجيا المشاركة الفعلية والاصلية الاساسية للانسان-في-العالم. لقد تحدثت عن
التجارب، ولكن هذه الاخيرة لم ترى النور. والحق، ان عملية تعليق الموضوعات والماهيات
الايديتية بين قوسين لا تؤدي، وهذا ما سنراه، الى تحليل للمواقف الفعلية للانسان
نحوها، وانما الى فحصها باعتبارها موجودات مأقنمة وماهيات في ذاتها. وبهذا فإننا
نميز في فكر هوسرل بين ثلاث مستويات مختلفة:
أ.
مستوى الانطولوجيات او الصوريات المادية الذي يدرس
الماهيات المادية –الخاصة بالموضوعات المادية.
ب.
مستوى الاونطولوجيات او الصوريات "الجهوية" –حسب
تعبير هوسرل نفسه- الذي يدرس الماهيات "الجهوية": اي المواضيع الثقافية
كالقانون، الفن، الدين الخ.
ت.
مستوى اونطولوجيا ماهية الموضوع على نحو عام، والذي
يتحدد باعتباره "شكلا صوريا محضا": هنا تتشكل اونطولوجيا صورية قابلة
للاستيعاب من قبل المنطق المحض او الترنتسندنتالي. واذا كان مصطلح الظاهراتية
الحقة، كما رأيناه، محصورا في دراسة الايغو الترنسندنتالي، والوعي المحض، واذا
كان، مع ذلك، هذا المنطق الكلي يتماثل، بالنسبة الى هوسرل، مع مشكلة التكوين
الترنسندنتالي للوعي المحض باعتباره موضوعا في ذاته للمعرفة[26]، فإن ظاهرية الانا
"الايغو"، الايغولوجيا، تتماثل مع هذه الاونطولوجيا
"المنطقية" الأخيرة[27].
إننا
نرى جيدا ان الاونطولوجيا القانونية تتحدد في المستوى الثاني من التصنيفات
المذكورة اعلاه، وتنتمي اليه. ان المشرعين القانونيين يتقبلون بأنفسهم نزعة فكرة
هوسرل التي تأسس لهذه التمييزات ويحددون، كما سنرى ذلك، الاونطولوجيا القانونية
ليس ضمن دراسة للوضعيات الاونطولوجية الاساسية للانسان في علاقته مع الغير
والاشياء، ولكن ضمن فحص لبنية مفاهيمية ومسبقة لماهية القانون الصورية في ذاتها.
الماهيات القبلية للقانون حسب القانونيين الظاهراتيين:
نظرية رايناخ Reinach .
إن
أول نموذج لمحاولة تطبيق معطيات الفلسفة الظاهراتية، في مجال القانون، نجده عند
رايناخ[28]. فتحليلاته باعتبارها تجسد
محاولة لتطبيق شامل لهذه الفلسفة، تبين لنا حدود الأونطولوجيا الظاهراتية.
تهتم
تحليلات رايناخ بمجال القانون المفاهيمي. فالمفاهيم القانونية، تجسد، بالنسبة له،
بعض البنى الاونطولوجية المحايثة والقبلية، بمعنى انها تشكل الوجود الضروري
والافتراض اللازم لكل تطوير وبلورة لهذه المفاهيم داخل نظام وضعي ملموس[29]. وهذا الوجود المتميز
للمفاهيم القانونية يشابه وجود الأعداد الرياضية او المفاهيم الهندسية. فهذه البنى
تشكل مجموعة من الخصائص التي ينبغي عليها ان تتحقق لكي يتمكن مفهوم قانوني ما من
الوجود بما هو كذلك. فالملكية، الوعد، والرهن العقاري، الخ، تمثل موضوعية صورية
قبلية، مستقلة في ان عن المعطيات النفسية للذوات، وعن المعالجات الاكسيولوجية
او نظم القانون الوضعي. على سبيل المثال، لا يمثل الوعد، مفهوما قانونيا، فهو لا
يمتلك مشروعية وقوة انشائية للحقوق والواجبات، لكونه يجسد ارادة وقصدية الذات، ولا
يتسم بخاصية القصدية المتجهة نحو الغير، حتى وان كان هذا الغير يستوعبه كوعد[30] او كمفهوم متوافق ومنسجم
مع بعض القيم الايتيقية والقانونية القائمة[31]، وحتى، في الاخير، في حال
قام القانون الوضعي باعطاء هذا المفهوم مشروعية محددة. للوعد مشروعيته القانونية
لأن وجوده خالق لها، من خلال بناهه الاونطولوجية المفاهيمية نفسها[32]. لا يكون لتنفيذ الوعد
قيمة الا اذا وجد الوعد كوعد. باختصار، نقول، ان ماهية المفاهيم القانونية،
مشروعيتها وواجبها القوي يكمن بالتحديد في وجودها المفاهيمي المتميز في ذاته.
هكذا
يحاول رايناخ التأسيس لنظام من الخصائص المادية والملموسة المحايثة لوجود مفاهيم
القانون، والتي ستقوم بدور المحدد لبعض النتائج القانونية المحددة. لا يتعلق الأمر
هنا، بمنهاج يخص المنطق القانوني، يحاول، من خلال نموذج الاستيعاب والتعيين،
استخلاص بعض القواعد من بعض المبادئ، او اخضاع بعض الوقائع للقواعد. ان المنطق
القانوني الصوري يفترض، في الواقع، وجود المفاهيم القانونية، فهو يفترض هذا الوجود
قائما هنا، ومندمجا في نظام وضعي ملموس، ويحاول تنظيم نتائجه او استخلاصاته من
خلال اخضاعها للنمذجة المنطقية الاستدلالية. أما المنطق الجدلي، فيعتبر التطور
التعاقبي الداخلي للمفهوم، والذي يفترضه محايثا لواقع القانون الوضعي، هذا القانون
الذي لا يوجد الا باعتباره مرحلة من مراحل تطور المفهوم-الفكر. بالنسبة لرايناخ، يتعلق
الأمر بمجال أونطولوجي سابق للمنطق، وبالتالي منهاجا مختلفا. لا يتعلق الامر
باستخلاص منطقي، وانما برؤية اونطولوجية، باكتشاف للوجود القبلي المادي ذو المضمون
الملموس للقانون، والذي ينبغي للمنطق القانوني نفسه، بما هو مأسس على اونطولوجيا
قانونية، احترامه، ان هو اراد ان يظل في عملياته المتعددة متوافقا معه، باعتباره
معيارا لل"حقيقة" المنطقية، كما تقول بذلك النظرية الظاهراتية[33].
لنحلل
هنا بعض الأمثلة القانونية الملموسة لنظرية رايناخ حسب التسلسل الذي يعطيه لها.
بما
أن الملكية تشكل علاقة بين شخص وشيء، في حين ان الوعد يشكل علاقة بين شخص وشخص
اخر، فإنه يترتب على ذلك قبليا، أن الملكية لا يمكن ان تجد مصدرها في وعد ما[34]. فوعد الشخص "أ" لتحويل ملكيته لشيء الى
الشخص "ب" لا يمكنه الا ان يخلق التزاما من ناحيته لتحويل ونقل الشيء،
لا ان يأسس حقا لملكية "ب" على الشيء.
كل
إلتزام يفترض ذاتا يكون هو تحديدا إلتزامها. وهذه الذات لا يمكنها ان تكون الا
شخصا، الحيوانات لا يمكنها ان تكون حاملة للواجبات وللالتزامات[35].
ومن
الممكن ان يكون اتجاه الإلتزام غير ذي اهمية بالنسبة الى وجود الالتزام. فمن
الممكن ان يكون "أ" ملتزما بأداء ما تجاه "ب"، والذي يكون هو
صاحب الحق (الدائن) المقابل، كما يمكن ان
يكون ملتزما بالاداء نفسه تجاه شخص ثالث، من دون ان يفقد "ب" صفته بوصفه صاحب
الحق[36]. كما انه منسجم مع الوجود
القبلي للالتزام ان يتخذ احيانا طابعا مطلقا، بمعنى ان لا ينشأ أي حق مقابل (دين)،
كما هو حال بعض التزامات الدولة حيال المواطنين على سبيل المثال.
ومن
بين الحقوق التي تتخذ كموضوع لها سلوكا انسانيا، يمكننا ان نميز الحقوق المطلقة
(كحقوق الشخصية على سبيل المثال) والحقوق النسبية. فالحقوق النسبية لا يمكنها ان
تتخذ كموضوع الا سلوك الغير، اما المطلقة فلا تتخذ كموضوع سوى سلوك الذات نفسها[37].
ولا
تنشأ ولا تنقضي أي ذمة (حق او التزام) بدون سبب، بالمعنى الذي يقدمه الحس المشترك
لكلمة سبب وليس بالمعنى القانوني. وبامكاننا ان نضيف انه في كل مرة يتكرر فيها نفس
السبب، فإن الحق المقابل اما ينبغي ان ينشأ او يلغى[38].
وأما
فيما يخص الحق في الملكية[39]، فيتجسد في علاقة اصلية من
التملك الشامل-الكلي لشيء من قبل الذات. انه لا يمثل ببساطة مجموع الحقوق العيانية
(Sachenrechte) وانما علاقة ذات بشيء تأسس لهذه الحقوق. بهذه الطريقة فقط يمكن
تفسير الطابع "المرن" للملكية، كالعودة الفورية الى المالك لأي حق عياني
كان قج منحه على ملكيته، حالما ينقضي هذا الحق بأي شكل من الأشكال. وبالتالي فمن
غير الممكن الحديث عن ملكية مجزءة ومنقسمة geteilts Eigentum، لأن علاقة
التملك-الكلي نفسها غير قابلة للانقسام. ولا يمكن تقسيم الملكية الا بشكل غير
مباشر، اي بتقسيم قيمتها الاقتصادية او اي
قيمة اخرى. وهذا هو معنى حق الكوطا (الحصة الشائعة) او الجزء الغير المفرز la pars pro indiviso. ان عدم قابلية الملكية للانقسام يتلازم مع طابعها القبلي الذي
يكمن في تملك الذات الكلي لموضوع ما، وبهذا يستحيل وجود ملكيتان مختلفتان لشخصان
مختلفان على شيء واحد. وعلى هذا النحو، يخبرنا رايناخ، ان القاعدة القائلة: [40]duorum in solidum dominium esse non posse لا تمثل نتيجة لتعريف الملكية في القانون
الوضعي وانما بنية اونطولوجية قبلية لمفهوم الملكية ذاته.
ونستخلص
من هذه الاعتبارات انه يمكن الاقرار بأن من الخصائص القبلية للملكية قابليتها
للانتقال، وهو أمر لا ينطبق على انتقال الدين (الحق الشخصي- الذمي)[41]. فالعلاقة التي تربط
شخصا بشيء تبقى سليمة في عملية الانتقال، إذ ينتقل الشيء من سلطة شخص الى سلطة شخص
اخر. في حين، نجد انه في حالة الدين (الحق في الذمة)، فإن شخصا ما يكون قد تعاقد
على التزام معين تجاه شخص اخر. من هنا التحول الجوهري الذي يحصل في العلاقة
"أ" "ب"، اذا قام الشخص "ب" بتحويل حقه الديني الى
الشخص "ج". فالمتلازم القصدي ل "أ" ليس موضوعا ماديا ملموسا
وانما الذات "ب" نفسها، وبهذا لا يمكن للانتقال ان يتم من "ب"
الى "ج" الا من خلال موافقة "أ".
[1] :
وهذا بالرغم من موقف بول ريكور المختلف، أنظر: ايميل بريهيه، تاريخ الفلسفة
الألمانية، ص: 183.
[2] :
هوسرل، أفكار، ص: 139. وأيضا كتابه: أبحاث منطقية، الجزء الأول، ص:
210. القسم الأول من الجزء الثاني، ص:344.
[3] :
فرانسوا ليوتارد، الظاهراتية، ص: 12.
[4] :
هوسرل، أبحاث منطقية، المجلد الثاني، القسم الأول، ص: 106، ص:121.
[5] :
فرانسوا ليوتارد، نفس المرجع السابق، ص: 15.
[6] :
على الرغم من انه لا يمكن اعتباره بتاتا كمفكر ظاهراتي –كما سنرى ذلك فيما بعد-.
[7] :
هوسرل، أبحاث منطقية، المجلد الثاني، القسم الأول، ص:374، ص:425.
[8] :
فرانز برينتانو، علم النفس من وجهة نظر امبريقية، ص:115، ص:118.
[9] :
جورفيتش، النزعات الراهنة في الفلسفة الألمانية، ص:22.
[10] :
وهكذا تكون المعرفة عند هوسرل واحدة من القصديات، انها القصدية
"القاصدة"، انظر الصفحة 47، الاحالة 30.
[11] :
ولكن الوعي الذي نمتلكه عن وعينا ذاته، بمعنى "الأنا المحض" الذي يتطور
نحو "الايغو الترنسندنتالي"، ليسا وعيا متعاليا –كما سنرى ذلك-، فهذا
يتجسد امام نفسه باعتباره بداهة يقينية، محايثة ومباشرة.
[12] :
هوسرل، التأملات الديكارتية، ص:95.
[13] : لاور، ظاهرية هوسرل، ص:43/44.
[14] :
هوسرل، أفكار، الجزء الأول، ص: 132. هوسرل، أبحاث منطقية، المجلد
الثاني، القسم الثاني، ص:202.
سنرى فيما يلي من صفحات ان Wesensschau تتميز باليقين الكامل والفورية التي من خلالها تظهر
للوعي، وسنلاحظ من جهة اخرى، مدى حضور هذا المفهوم عند شيلر وفلاسفة القانون
المتأترين به.
[15] :
هوسرل، المرجع السابق، ص: 48/ 108.
[16] : هوسرل، أفكار، الجزء
الأول، ص: 67/82/91/93.
[17] :
جورفيتش، المرجع السابق، ص:43.
[18] :
"المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي".
[19] :
جورفيتش، المرجع السابق، ص:54.
[20] :
بول ريكور: في ايميل بريهييه، تاريخ الفلسفة الألمانية، ص: 193.
[21] :
بول ريكور: في ايميل بريهييه، المرجع السابق، ص: 185. انظر ايضا، مقدمة بول ريكور
لترجمته الفرنسية لكتاب هوسرل أفكار، من اجل فهم مدى تعقد هذه المشكلة.
[22] : جورفيتش، المرجع السابق، ص:56.
[23] : إننا نلاحظ على نحو تخطيطي
تعرجات فكر هوسرل، وسنحاول فيما بعد، ربط مختلف فلسفات القانون بفكر هوسرل الذي
أثر فيها. ومن جهة، فإن هذا التخطيط لن يستند على اساس كرونولوجي، فهوسرل المفكر
الشديد الانتباه للتفاصيل كان يعدل باستمرار في اعماله قبل نشرها، حتى لتبدوا كل
المعطيات المعروضة فيها متمازجة.
[24] : هوسرل، المنطق الصوري والمنطق
الترنسندنتالي، ص: 218.
[25] : ريكور: انظر ايميل بريهييه،
المرجع المذكور، ص: 190.
[26] : هوسرل، المنطق الصوري والمنطق
الترنسندنتالي، ص: 208/283.
[27] : لهذا السبب بالذات، فإن كل
محاولة كوسيو لتكوين نظرية ايجولوجية للقانون تتضمن، من وجهة نظرنا، واذا ما
عالجناه انطلاقا من جهاز هوسرل المفاهيمي، سوء فهم جلي.
[28] : ملاحظة المترجم: هنا يتعلق الامر
بأدولف رايناخ وهو فيلسوف ظاهراتي ورجل قانون حاول توجيه الفلسفة الظاهراتية نحو
اكتشاف الموضوعات القانونية باعتبارها وقائع. وهكذا حاول رايناخ ضبط البنى الصورية
القبلية التي ستكون هي شروط امكان القانون الوضعي.
[29] : رايناخ، ظاهرية الحق، ص:
11/21.
[30] : المرجع السابق، ص: 21/45.
[31] : المرجع السابق، ص: 81.
[32] : المرجع السابق، ص: 93.
[33] : فالهنز، الظاهراتية والحقيقة،
ص:3/17.
[34] : المرجع السابق، ص:23.
[35] : المرجع السابق، ص: 26.
[36] : المرجع السابق، ص: 27.
[37] : المرجع السابق، ص: 29.
[38] : لنذكر بصدد هذه النقطة، ان كل
هذه الامثلة تمثل معطيات قبلية، مدركة على نحو مباشر من خلال wesensschau، اي من خلال حدس ظاهراتي مباشر لماهية القوانين
المدركة في يقينيتها نفسها. ولنلاحظ ايضا، وهذا الواقع له اهميته القصوى فيما سنرى
بعد، ان رايناخ لا يقدم تعريفات لمفاهيم القانون القبلية. وفي انسجام، حسب
قناعتنا، مع النظرية الظاهراتية، رغم ان رايناخ لا يحيل بوضوح الى هذه النقطة،
يحاول رايناخ تكوين دلالة على نحو تدريجي لهذه المفاهيم، للتوصل الى تكوين للدلالة،
يوجهه منظور اصلي لماهية الموضوع، اي المفهوم القانوني.
[39] : المرجع السابق، ص: 95/96.
[40] : ملاحظة المترجم: وهي قاعدة تعود
اصولها الى القانون الروماني، وتنص على عدم امكانية ان تتحقق الحيازة او الملكية
الفردية عند شخصين، وايضا لا يمكن لشخصين ان يتملكا نفس الشيء في مجمله. يؤول
رايناخ هذه القاعدة باعتبارها بنية اونطولوجية قبلية لمفهوم الملكية.
[41] : المرجع السابق، ص: 112/118/128.
Commentaires
Enregistrer un commentaire