نظرية التشييء- لوسيان جولدمان
نظرية التشييء- لوسيان جولدمان- ترجمة المختار منودي
القسم الأول: وضعية الفكر الماركسي الراهنة- مشكلة العلاقات بين البنية التحتية والبنية
الفوقية- نظرية الانعكاس- الطابع الكوني والفوضوي للاقتصاد السلعي- القيمة
الاستعمالية والقيمة التبادلية- العمل المشخص والعمل المجرد- الانتاج من اجل السوق
وتأثيره على نفسية الانسان- حينما يسود المجرد والكمي على حساب الملموس والكيفي-
-خلاصة.
أشكر في البدء الجمعية الفلسفية بمدينة
تولوز على تشريفي بدعوتي للحضور والحديث معكم واليكم، وسأدخل على نحو مباشر في صلب
الموضوع.
وحتى نبدأ موضوعنا، أود أن أقول
كلمة بخصوص الوضعية الراهنة التي يعيشها الفكر الماركسي. فهذا الفكر يخرج من مرحلة
أزمة طويلة، والتي من الضروري اليوم على نحو خاص فهم أسبابها، طبيعتها وتطورها.
والأكثر من ذلك، ينبغي علينا ان نلاحظ منذ الان، أن هذه الأزمة، التي برزت ايضا
ضمن مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى، قد بلغت على المستوى الثقافي حدة خاصة، تظهر
من بين ما تظهر فيه، من خلال واقع انه منذ ما يقارب الخمس والعشرين سنة لم تنتج
الماركسية الرسمية أي بحث نظري مهم. ولهذا كان من الضروري والجوهري لبعض الباحثين
في هذه المرحلة، الذين لا يخضعون لأي ضغط تمارسه أرثودوكسية معينة او جهاز ما، أن
يتشبتوا بضرورة ابراز مدى خصب المنهاج وامكاناته الراهنة ضمن هذا المجال او ذاك
على مستوى الأبحاث المشخصة. وهذا ما حاولت القيام به بنفسي حينما كرست سنوات طويلة
من عمري من أجل دراسة أعمال باسكال وراسين محاولا البرهان على أن المنهاج الجدلي
هو المنهاج الأكثر فعالية حينما يتعلق الأمر بفهم الظاهرات المعقدة الخاصة، التي تمثلها
الأعمال الفلسفية والأدبية العظمى المنتمية الى الماضي.
ولكنكم لم تستدعوني اليوم لكي
أتحدث عن الماضي وانما من أجل معالجة موضوع راهني بامتياز يتعلق بمختلف
تأويلات الفكر الماركسي في القرن العشرين. إلا أن هذا الموضوع ثري جدا
بالنسبة لعرض واحد، وذلك لأن الفكر الماركسي الأوروبي قد تضمن الى غاية سنوات
1930-1933 العديد من النقاشات الحية والجادة بخصوص المشكلات الأساسية المتعلقة
بحياة البشر والمجتمعات، وهي مناقشات قد تعرضت مع الاسف للنسيان اليوم بسبب التأويلات
التي سادت في الخمس والعشرين او الثلاثين سنة الأخيرة.
لقد بدا لي ان الموضوع المقترح جد
شاسع وعاجل في ان. وبالتالي قررت ان أحصر موضوعي في واحد من فصوله المكونة الأكثر
أهمية، ويتعلق الامر هنا بنظرية ماركس ولوكاتش في التشييء. من
الطبيعي انني لن اتوقف في بحثي عند عرض تاريخي، لا لأنني أجد أن هذا الجانب من
التحليلات الماركسية مغلوطا، بل ويبدو لي انه مايزال يشكل أحد العناصر الأكثر
أهمية من أعمال ماركس، ولكن، وعلى النقيض مما يحدث في العلوم الطبيعية، فإن
التاريخ يتميز بكون القوانين المشكلة للمجتمعات الانسانية تتحول وتتغير بنفسها مع
تطور هذه المجتمعات.
من المؤكد أن العالم قد تغير على
نحو عميق على امتداد الخمس والثلاثين سنة التي تفصلنا عن عمل لوكاتش الأهم[1]، وأنه ينبغي علينا ان
نتساؤل عما اذا كانت هذه التحليلات القديمة مازالت صالحة ومشروعة بالنسبة لمجتمعنا
الذي نحاول فهمه اليوم.
وينطبق هذا بالأحرى على أعمال
ماركس الأكثر قدما والتي لا تمثل بالنسبة لنا كتابا مقدسا نحاول ان نجد فيه عبارات
وتوجيهات مقدسة، وانما تعبيرا عن فكر خلاق وعن واحدة من المجهودات الأكثر
استثنائية في سبيل فهم الواقع الانساني، وهذا التعبير ينبغي علينا في جميع الاحوال
معرفته، كما ينبغي علينا ايضا السير قدما استنادا عليه، بقدر ما يكون ذلك ممكنا
وضروريا.
لقد أشرت مصيبا الى أنه يمكننا ان
نكون أقزاما أمام مفكري وعظماء الماضي ولكن حينما يعتلي قزم أكتاف عملاق فإن ذلك
يمكنه من النظر أبعد مما يراه العملاق.
ضمن هذا المنظور اذن سأحاول أن
أدرس في البدء التحليل الماركسي للقيمة، المرتبط جوهريا بما اسماه
ماركس بوثنية السلعة، والذي يضبطه لوكاتش تحت مسمى التشييء.
ولكن، وحتى يتسنى لنا تثبيت موقع هذه المشكلة ضمن مجموع النظام الذي ندعوه عادة
بالمادية التاريخية، أؤكد على انها وحدها نظرية التشييء تمكننا من فهم انسجام جميع
نصوص ماركس فيما يخص العلاقات بين "البنية التحتية" و"البنية
الفوقية".
إننا، في الواقع، نتذكر المناقشات
والسجالات التي دارت حول مشكلات الدور الفعال للوعي، او على النقيض، طابعه بما هو
محض انعكاس بسيط. والحق ان كلا الاطروحتين تتوافق جزئيا مع موقف ماركس ولا تتوافق
اي واحدة منهما كليا مع موقفه. ولهذا السبب بالذات يمكن لكل واحدة منهما ان تستند
على العديد من نصوص ماركس الاصيلة اما لصالحها او لنقد الاطروحة الاخرى، في حين أن
فكر ماركس الذي نحاول تطويره يمكن التعبير عنه على النحو الاتي: يشكل الفرد،
بالاضافة الى المجموعات الانسانية، وحدات شمولية لا يسعنا فيها ان نفصل بين بعض
المجالات لنجعلها وقائع مستقلة الا تعسفيا. وهكذا لا يوجد فكر مستقل للسلوك او
للانفعالية كما لا يوجد سلوك مستقل للوعي .. الخ. ففي التحليل الأخير يشكل فكر،
انفعالية وسلوك فرد ما وحدة منسجمة ودلالية. والأكثر من ذلك، ينبغي ان نضيف الى
انه حينما يتعلق الأمر بالأفراد، فإن هذه الوحدة البنيوية تمر عبر عدد كبير من
التوسطات لا تكون الذات واعية بها او واعية بها على نحو أقل، وتكون بالتالي،
انطلاقا من هذا الواقع، صعبة الاقتفاء، في حين يكون من السهل ابراز الانسجام الذي
يخضع له السلوك، الانفعالية او الوعي الخاص بمجموعة اجتماعية تنتفي في داخلها
الفروق الاجتماعية الغير القابلة للعد على نحو متبادل. ودون ان نقيم خلطا بين
دراسة الوقائع الاجتماعية وعلم الاحصاء، يوجد تشابه بين الرصد الذي اشرنا اليه
وواقع انه من المستحيل التنبؤ بما اذا كان بيير أو جاك سيتزوج هذه السنة، ام سيرزق
بطفل، ام سيتعرض لحادث سير ...الخ في حين نجد من الممكن دائما التنبؤ، مع وجود
هامش صغير للخطأ، بعدد الأعراس، المواليد وحوادث السير التي ستحدث في هذا البلد او
ذاك وفي هذا اليوم او ذاك من أيام السنة القادمة.
لنعد الان الى مشكلة العلاقات بين
"البنية التحتية" و"البنية الفوقية". ان النظرية الماركسية التي
قمنا بعرضها الى الان، تقتضي فكرة انه ما من تاريخ مستقل للاقتصاد، للفكر،
للدين الخ، وما من اولوية من جهة الحق والمشروعية، في حال نظرنا الى التاريخ في
مجموعه، لهذا المجال الجزئي او ذاك من مجالات الحياة الاجتماعية. فهذه
الأخيرة، وسنكرر هذا القول، تشكل دائما وحدة شمولية بنيوية مع التحفظ بأن النموذج
المحدد لكل بنية خاصة يتغير بسرعة على امتداد الزمان.
كيف نستوعب اذن الفكرة القائلة
بأولية وأسبقية العوامل الاقتصادية؟ إذا نظرنا الى هذه الفكرة في وحدتها، أي
باعتبارها تعبر عن التطور التاريخي، فهي تعني فقط، عند ماركس، انه على امتداد
التاريخ الماضي، وسواء بسبب فقر المجتمعات البدائية او بسبب تقسيم المجتمع اللاحق
الى طبقات اجتماعية، كان البشر مجبرين على تكريس القسم الأعظم من نشاطهم في حل
المشكلات التي تخص الانتاج وتوزيع الثروات المادية، اي ما نسميه عادة بالمشكلات
الاقتصادية. وبقدر ما تشكل حياة البشر وحدة تتجه نحو الانسجام، فإن الهيمنة
القبلية الكمية للإقتصادي على فكر وسلوك الأفراد قد أدى الى جعله عاملا أوليا في
التطور التاريخي. ومع ذلك يتعلق الامر هنا بأسبقية واقعية لا بأسبقية من جهة الحق،
أي بأسبقية قابلة للزوال حينما سيستحيل امتلاك الثروات أمرا ثانويا على مستوى
نشاطات الافراد، بفضل تطور القوى المنتجة وتغيير البنية الاجتماعية. وهي
"القفزة" الشهيرة التي اشار اليها ماركس من مملكة الضرورة الى مملكة
الحرية. وفي جميع الأحوال، من الواضح أن هذه الأطروحة لا تتضمن البتة قولا
باستكانة الوعي والفكر النظري في علاقتهما بالنشاط الاقتصادي.
وكيف يمكننا ان نستوعب ايضا نظرية
الوعي-الانعكاس؟ هل هي نظرية خاطئة كليا؟ بالتأكيد لا. انها فقط لا تعبر عن نموذج
كوني صالح يخص العلاقات بين "البنية التحتية" و"البنية
الفوقية"، وانما نموذجا خاصا لهذه العلاقات يخص المجتمع
الرأسمالي الكلاسيكي[2].
ففي هذا المجتمع يتجه الوعي الى ان
يستحيل انعكاسا محضا وإلى فقدان كل وظيفة فعالة بقدر ما يتعاظم التشييء، الذي هو
النتيجة الضرورية لكل اقتصاد سلعي، ويخترق من الداخل جميع المجالات الغير
الاقتصادية للفكر وللانفعالية.
من حيث المبدأ فإن الدين، الأخلاق،
الفن والأدب لا تشكل وقائع مستقلة عن الحياة الاقتصادية، كما لا تشكل ايضا انعكاسا
محضا وبسيطا لهذه الحياة. ولكنها تتجه الى ذلك في العالم الرأسمالي وتنزع بقدر ما
تفرغ أصالتها من الداخل بفضل ظهور مجموع اقتصادي مستقل ينزع الى الاستيلاء الحصري
على جميع مظاهر الحياة الانسانية. اننا نرى هنا مدى أهمية هذه الظاهرة التي نقترح
تحليلها اليوم في خصائصها العريضة.
وحتى يتسنى لنا وصف هذه العملية،
ينبغي علينا من الطبيعي الانطلاق من دراسة الاقتصاد، وبالتحديد الاقتصاد السلعي.
إن ما يميز هذا الاقتصاد في علاقته بأشكال الانتاج الأخرى هو ما يمكننا ان نسميه
بطابعه الكوني والفوضوي.
والحق أن جميع أشكال تنظيم الانتاج
التي سبقت الاقتصاد السلعي على نحو عام، والاقتصاد الرأسمالي على نحو خاص، قد
تميزت بوجود وحدات للانتاج وللاستهلاك يتحقق في داخلها تنظيم انتاج المنتوجات
وتوزيعها وفقا لنموذج، كان بكل تأكيد جائر وغير انساني، ولكن كان دائما شفافا وسهل
الفهم.
وضمن جميع أشكال التنظيم هاته،
كانت توجد دوما بالتالي قاعدة تقليدية، دينية، عقلانية، الخ، تمنح لبعض الأفراد او
لبعض مجموعات الأفراد الحق في تقرير -ضمن بعض الشروط ووفقا لنظام معين بكل تأكيد-
أي المنتوجات ينبغي انتاجها، تقسيم العمل الممكن داخل مجموعة ما، وتوزيع المنتوجات
فيما بعد. ولهذا السبب كانت جميع هذه الاشكال تفترض ليس فقط حصرا للوحدات
الاقتصادية وانما ايضا شفافية عظمى للطابع الانساني والاجتماعي لتنظيم الانتاج.
لكن هذا الحصر وهذه الشفافية
يختفيان مع تطور الاقتصاد السلعي. الذي كان منذ البدء، ان لم يكن واقعيا، فعلى الأقل
على نحو افتراضي، كونيا: فبفضل التبادل يمكن لمنتج أوروبي العمل على مواد أولية قادمة
من الجانب الاخر من العالم وبيع منتوجه بواسطة عدد معين من الوسائط على مسافات غير
محدودة عمليا. وبدون أدنى شك، فإن الحياة الاقتصادية لم تصر واقعيا عالمية الا
متأخرا. وقد وجدت، مع ذلك، ضمن الانتاج من أجل السوق، منذ أشكال هذا الانتاج
الاكثر بساطة، امكانية افتراضية لتجاوز كل عمليات الحصر الجزئية سواء أ كانت هذه
العمليات دينية، وطنية أم اجتماعية الخ. وبالتالي التوسع بشكل لا محدود. لا وجود
بالنسبة للتاجر وللمنتج، باعتباره مشتري للمواد الأولية ولقوة العمل وبائع
للمنتوجات، الا لموجودات لها نفس خاصية الانسان المجردة، أي خاصية المشتري والبائع
الممكن، وهو تجريد يضع بين قوسين كل خصوصية اجتماعية اخرى. وهنا بالذات يكمن
الاساس التاريخي لايديولوجية حقوق الانسان الحديثة، للمساواة، للمشروعية وللعدالة
الكونية الخ.
ولكن ما يميز الانتاج من أجل السوق
من جانب اخر، هو أيضا غياب جهاز ضابط- تنظيمي ينظم في نفس الوقت انتاج
المنتوجات وتوزيعها، على جميع المستويات. صحيح انه لا يوجد أدنى مجال للشك ان
الانتاج يكون مخططا على نحو دقيق على مستوى المقاولة الفردية في العالم الرأسمالي
الكلاسيكي، ولكن الفرد او مجموعة الأفراد، ولنقل المكتب التقني، الذي ينظم الانتاج
على نحو عقلاني من زاويتي الفعالية والربح، لا يتمتع بأي سلطة حينما يتعلق الامر
بضمان التوزيع. ففي هذه القضية لا صوت يعلوا على صوت القاعدة التالية: على
المنتوجات ان تباع بثمن باهظ كاف وضمن سوق تنافسي الى حد ما، يجد فيه كل واحد نفسه
أمام مشترين او منافسين يتصرفون على نحو مستقل عنه بل وعلى عكس مقاصده ايضا. ولهذا
السبب يتخذ هذا السوق شكل واقع أعمى خارجي وموضوعي.
ولعل غياب هذا الجهاز
الناظم-التنظيمي للانتاج والتوزيع، والذي يميز كل اقتصاد سلعي او اقتصاد رأسمالي
غير مخطط، يشكل بالتالي الجانب المقابل لكونيته. وهذا ما ندعوه بفوضوية
الانتاج.
إن ما يقوم تحديدا بوظيفة
الجهاز-المخطط في الاقتصاد السلعي هو السوق، ففي داخله، نسمي تبادل البضائع والسلع
بنسبة معينة، في شكله المباشر، سعرا، كما يسمي ماركس، التبادل في شكله المحض
والمجرد عن كل تخلخل بين العرض والطلب وعن كل تغير لهما، القيمة التبادلية. ان
مجرد التفكير البسيط في الامر يمكننا من رصد أن عتاد المنتجين الفردي، والمجابهة
في السوق لعدد لا محدود من المشترين والبائعين، يؤدي في كل سنة، الى تغيير القوى
المنتجة والمواد الأولية المستعملة في الانتاج، والى زيادة مرجحة في الانتاج وايضا
الى ضمان الاستهلاك الفعلي –الكافي او الغير الكافي، فهذه قضية أخرى- لجميع
العناصر المشكلة للمجتمع (عمال، رأسماليين، فئات وسطى الخ.).
ولكن هذه النتيجة لا تتحقق من خلال قرار واع
لهذا الفرد او لهذا الجهاز الضابط المخطط. إنها النتيجة الموضوعية واللارادية
للتعارضات القائمة بين البائعين والمشترين في السوق. ولهذا فمن الطبيعي وحتى يتسنى
لنا فهم ميكانيزم الانتاج السلعي، أن نبدأ بدراسة القيمة والأسعار، كما فعل ماركس:
ففي عدد كبير من النصوص نجد ماركس
يؤكد على ان ما يميز القيمة التبادلية في الاقتصاد السلعي هو تحويلها للعلاقة بين
العمل الضروري لإنتاج منتوج وهذا المنتوج نفسه، الى خاصية موضوعية للموضوع،
وهذه العملية هي التي تسمى بالتشييء[3].
فما الذي يعنيه هذا المفهوم؟
بالتأكيد هو لا يعني انه يمكن للقيمة ان تستحيل خاصية للشيء على غرار لونه، مدته
ورائحته الخ. وانما يتعلق الامر هنا بعملية اجتماعية تظهر من خلالها القيمة، ضمن
الانتاج السلعي، في وعي البشر، في شكل خاصية موضوعية للبضاعة والسلعة. لنحلل هذه
العملية على نحو أقرب.
ان ما يجعل البشر يكرسون القسم
الأعظم من مجهوداتهم في سبيل انتاج بعض المنتوجات ضمن اقتصاد غير سلعي، يتحدد في
خصائص هذه المنتوجات الطبيعية، وهي خصائص تجعلها قادرة على اشباع الحاجات الطبيعية
او الاجتماعية لأعضاء المجموعة. نسمي هذه الخصائص القيمة الاستعمالية.
وسواء تعلق الامر بنشاط الصيد في
قبيلة بدائية، ام بالعمل الزراعي للقن او الأعمال الشاقة في أرض السيد، فإن البشر
قد كانوا واعين دائما بضرورة انتاج بعض المنتوجات من أجل المأكل والملبس ..الخ لهم
او لباقي أعضاء المجتمع. وبدون شك، ومنظورا اليهم من زاوية اقتصاديي اليوم، فإن
البشر يمتلكون دوما ايضا قوة محددة في العمل وينبغي على احد ما ان يقرر فيما يخص
توظيفها سواء من اجل انتاج بعض هذه المنتوجات او تلك. وبهذا المعنى تكون مشكلة
مقارنة المنتوجات من زاوية التكلفة في العمل الاجتماعي قد وجدت وتوجد في كل نظام
اقتصادي. ومع ذلك، وفي هذه النقطة بالذات، لابد من تسجيل ملاحظتين هامتين.
لأسباب اجتماعية لا يمكن أي نظام
اقتصادي ما قبل رأسمالي من فهم فكرة العمل
المجرد، وبالتالي ايضا فكرة تكلفة المنتوجات الاجتماعية[4]. ففي وعي البشر القائمين في هذه المجتمعات، نجد
أن الأفراد المنتجين، نشاطاتهم، بالاضافة الى المنتوجات وتوزيعها تشكل وحدة
لامتمايزة لا يسعنا ان نميز فيها بين العمل المجرد وتمظهراته المشخصة. تختلف اذن
ساعة العمل التي يمضيها قس او سيد فيودالي في العصر الوسيط عن تلك التي يمضيها عبد
او قن، وهذا من الناحية الكيفية، على نحو ما كان ليمكننا من القول، رغم ان الأمر
يبدوا بالنسبة لنا اليوم طبيعيا، ان ساعة عمل أحدهم لها "قيمة ارقى" من
ساعة عمل الاخر.
وللأسباب نفسها لم يخطر ببال أحد
تقديم هذه المقارنة في شكل علاقة بين القيمة المجردة لمنتوجين. (التي تكون من
الناحية الكيفية مشابهة ومختلفة فقط من وجهة نظر كمية).
لننتقل الان من الاقتصاد الطبيعي
الى الاقتصاد السلعي. لقد سبق ان ذكرنا ان ما يميز الاقتصاد السلعي هو غياب
التخطيط الذي يربط الانتاج بالاستهلاك. صحيح ان هذه السلع تبقى ضمن هذا
الاقتصاد السلعي منتوجات مفيدة تمتلك قيمة استعمالية، ولكنها اذا ما وصلت في
اللحظة الاخيرة الى المستهلك الذي يبحث عن هذه القيمة الاستعمالية، فإن ذلك يكون
فقط بسبب انها وصلت اولا الى السوق، حيث تتم مقارنتاها بالبضائع والسلع الاخرى من الزاوية
الكمية المحضة الخاصة بقيمتها التبادلية. ولهذا السبب، عندما تستحيل المنتوجات
الى بضائع وسلع، فهي تزدوج على نحو فجائي مقدمة سمتين مختلفتين تبدوا كل واحدة
منها وكأنها مستقلة عن الأخرى: سمة القيمة الاستعمالية التي تهم فقط المستهلك
الأخير حينما تخرج البضاعة من السوق، وسمة القيمة التبادلية المتشابهة كيفيا في
جميع البضائع والسلع والمختلفة فقط من ناحيتها الكمية. وهذه القيمة التبادلية
المشتركة بين جميع البضائع هي التي تجعل من الممكن مقارنتها وتبادلها في السوق.
وعلى النحو نفسه، ينفصل العمل
الضروري لإنتاج هذه البضائع والسلع الى عنصرين مختلفين يمكن تسميتهما: العمل
المشخص (وهو العمل المنتج للقيم الاستعمالية) والعمل المجرد
المتشابه كيفيا عند جميع العمال المنتجين، والذي لا يختلف الا من ناحية الكم،
والخالق للقيم التبادلية. لنذكر أن ماركس قد اعتبر دائما أن هذا التمييز الذي أقره
بين العمل المشخص والعمل المجرد في الاقتصاد السلعي يمثل واحدا من اكتشافاته
الهامة.
ولكن اذا
كانت التجارة في بداياتها الاولى لا تضع يدها الا على المنتوجات الزائدة، واذا كنا
لا نمارس التبادل الا على حدود التجمعات الاهلية، فإننا نعلم أن السوق سيقوم عما
قريب بتدمير الاشكال الاقتصادية القديمة من اجل الاستحواذ على الانتاج نفسه. في
البدء، تنتج المجموعة من أجل استهلاكها الخاص ولا تتبادل الا بعض المنتوجات
الزائدة مع اخرى لا تستطيع انتاجها، وفي نهاية هذا التطور تختفي المجموعات بما هي
وحدات اقتصادية ولا ينتج الافراد الا من اجل البيع.
ولهذا
السبب لا يتضمن فقط الانتاج من اجل السوق فقط (والذي يمثل الانتاج الرأسمالي شكله
الاكثر تطورا) امكانية وجود اقتصاد كوني، وانما يمثل ايضا عاملا فعالا في تفكيك
وحل جميع الاقتصاديات الطبيعية القديمة والذي يحاول أخذ مكانها.
لنفحص مع
ذلك، وعلى نحو أدق، الجانب النفسي للحياة الاقتصادية ضمن اقتصاد حيث
القسم الاعظم من المنتوجات، ان لم تكن معظمها، منتوجة من أجل السوق، وحيث السعر
يأخذ مكان كل جهاز ضابط ومخطط.
ولئن كان
هدفنا ليس هو كتابة بحث في الاقتصاد السياسي، فإننا لن نؤكد على ما يجعل الاسعار
تتأرجح حول القيمة ، ضمن مستوى الاقتصاد السلعي البسيط، وفي وظيفة السوق، في حين
تتأرجح الأسعار، على مستوى الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي، حول المستوى الذي يضمن
لجميع الرساميل نفس معدل الربح المتوسط، وأنه في الحالتين معا، نجد ان نقطة
التوازن هاته تضمن، في نفس الوقت، انتاج مجموعة من المنتوجات تتحدد جوانبها
المشخصة، اي قيمها الاستعمالية، على نحو يتطابق مع عملية اعادة الانتاج والاستهلاك
في المجتمع. إن ما يهمنا في سبيل فهم ظاهرة التشييء هو الميكانيزم النفسي الذي من
خلاله تحققت جميع هذه العمليات.
لننطلق
في هذا العمل (الذي لا يمثل بكل تأكيد سوى
دراسة نموذجية ووجيزة للظاهرة) من رصد هام لما يمثله بالنسبة للاقتصاد الليبرالي
الكلاسيكي. ففي مجتمع رأسمالي مثالي، والذي لا وجود فيه لأي عامل يعيق او يعطل
المنافسة الحرة، فإن الأمور ستمضي على نحو أفضل-حسب منظري الاقتصاد الليبرالي
العظماء- لأن كل مقاول وهو في سعيه نحو تحقيق أكبر ربح ممكن سيكون مجبرا على خفض
الاسعار لكي يصارع على نحو فعال منافسيه. وبالتالي سيتصرف هنا على نحو لا ارادي
ولا واعي من أجل مصلحة المستهلكين الذين سينالون البضائع بأقل الأسعار الممكنة.
ورغم كون
هذا المنظور غير دقيق باعتباره وصفا لعملية تكوين الأسعار، فإننا سنؤكد هنا فقط
على التحليل الدقيق للميكانيزمات النفسية التي من خلالها تتحقق التوازنات
وقيم التضامن الانسانية ضمن العالم الرأسمالي. فمنظرو الرأسمالية
الليبرالية انفسهم يخبروننا ان هذا الامر يحدث ضمنيا ودون ان يكون البشر واعون
بذلك، اي رغم وضد ارادة الافراد. وفي العالم الخيالي الخاص بالاقتصاديين
الكلاسيكيين، والذي لا يمثل سوى استكمالا نموذجيا ومثاليا للعالم الرأسمالي
الواقعي، يكون الأفراد أنانيون بالكامل، كما يكونون غير مهتمين، ولا يحسون بالام
وحاجات الاخرين، ولكنهم سيمضون وقتهم (وهنا تكمن المثالية) في مساعدتهم على نحو
غير ارادي.
ان هذا
النموذج من الفكر، والذي لا نجده فقط عند منظري الاقتصاد، يعبر الى حد بعيد عن
البنية الجوهرية للواقع الرأسمالي الصاعد لدرجة اننا نجده منذ القرن السابع عشر
معبرا عنه في رسالة كتبها ديكارت الى الأميرة إليزابيت حيث يقول: "لقد وضع الاله على نحو تام نظام الأشياء وجمع
البشر فيما بينهم ضمن مجتمع ضيق حتى اذا ما ارجع كل واحد الامور الى ذاته دون ان
يحس بأي ذرة احسان حيال الاخرين، فهو لن يتردد في مساعدتهم في أغلب الاحوال
مستنفدا كل طاقاته و متصرفا بحذر، خاصة اذا ما كان يعيش في قرن لا تكون فيه
الاخلاق فاسدة". (رسالة السادس من اكتوبر 1645).
ونجد الفكرة ذاتها عند لايبنيز حينما يقر بأنه وبالرغم من عدم وجود نوافذ وأبواب
للمونادات، فإن مجموعها يحقق "أفضل العوالم الممكنة"، وفي الاخير
نجد هذه الفكرة، ضمن منظور نقدي، عند كانط حينما يؤسس للأمر الأخلاقي المطلق بما
هو متعارض مع الحياة الواقعية. فحينما يقوم تاجر ما "بوضع سعر ثابت بالنسبة
للجميع، بغض النظر عما اذا كان الطفل او ايا كان سيشتري منه، لأن مصلحته تقتضي
ذلك، فإنه لا ينبغي علينا في هذه الحالة الافتراض على انه كان ينبغي على التاجر ان
يتعاطف مع زبناؤه وان يتعالى على السوق. فالفعل هنا لا يتحقق من خلال الواحب او
التعاطف، وانما فقط من خلال قصدية مهتمة". ها هنا يتضح التشابه بين جميع هذه
الاستنتاجات على نحو واضح.
بعد
معالجتنا للجانب الخاص بالعلاقات بين البشر، لنحاول الان ان ندرس جانبا اخر مكملا
للحياة الاقتصادية، ونقصد هنا علاقة البشر بالاشياء. ينتج البشر في جميع أشكال
المجتمعات –وهو أمر سبق لنا ذكره- موضوعات من اجل استهلاكهم الخاص او من اجل ان
تستهلك من قبل باقي عناصر المجموعة. ونجد فقط، ضمن المجتمعات الما قبل الرأسمالية،
ان السبب الواعي الذي يدفع بالبشر الى العمل في سبيل انتاج بعض المنتوجات، او الى
اجبار الاخرين على القيام بذلك، هو قيم هذه المنتوجات الاستعمالية، والتعدد
المتنوع للموضوعات المنتجة الذي يمكنهم من سد حاجياتهم الانسانية. وبدون شك فإن
النظام الاجتماعي الخاص بأغلب مجتمعات الماضي يتأسس على القهر والاستعباد، وعلى
الامتيازات التي تحظى بها اقلية معينة واستغلال اكبر عدد ممكن من العمال. ومع ذلك،
ومن خلال هذا التعارض وهذا الظلم، كانت تتحدد بشكل واضح نسبيا العلاقة
الواقعية الواعية بين المنتجين والقيم الاستعمالية الخاصة بالمنتوجات.
وضمن هذه
البنية المشتركة بين مختلف النظم الاجتماعية الغير الرأسمالية، أقحم تطور الانتاج
من أجل السوق تغييرا جذريا. فبجانب القيمة الاستعمالية، وبقدر أكبر في مكانها، نجد
ان هذا الانتاج قد أوجد وطور القيمة الاقتصادية، اي القيمة التبادلية. ولهذا
السبب، نجد اليوم، ان الصناعات لا تنتج المنتوجات التي تصير بضائع انطلاقا من
قيمها الاستعمالية المتعددة والمختلفة، والتي تمكن من سد حاجيات الاخرين المتعددة،
وانما في سبيل تحقيق قيمتهم التبادلية الخاصة والمتشابهة كيفيا ضمن جميع
البضائع والسلع التي تصل الى السوق. صحيح أن القيمة الاستعمالية لم تفقد البتة كل
وجود واقعي، بحيث انه لا يمكننا ان نبيع بضاعة ما، اي تحقيق قيمتها التبادلية، الا
بقدر ما تمثل هذه البضاعة قيمة استعمالية بالنسبة للمشتري الاخير. ولكنها بقدر ما
تكون ضمن دائرة العلاقات الانسانية، وضمن مرحلة الانتاج والبيع، فإن القيمة
التبادلية هي وحدها التي تسيطر على وعي البشر، ولا تكون للقيمة الاستعمالية أهمية
الا في علاقتها بها. فصانع الاحذية لا يتساؤل عما اذا كانت الاحذية المصنوعة جيدة،
وانما عما اذا كانت قابلة للبيع، فجودتها لا تهمه الا بقدر ما تسهل، او على العكس
تصعب، فيض انتاجها. وحتى المستهلك نفسه، حينما يقرر ان يشتري حذاء فهو يفكر في
البدء في السعر الذي يمكنه ان يقدمه، وايضا في سعر الاحذية المتوسط في السوق ضمن
اللحظة التي يود فيها ان يشتري. فكم من مرة قمنا باقتناء هذه البضاعة او تلك ليس
لأنها جميلة او جيدة او حتى لأننا في حاجة اليها وانما لأنها "مجدية"،
اي انها تباع بسعر اقل من السعر العادي. وبالتأكيد تستحيل احيانا
"البضاعة" موضوعا مشخصا، حيث تختفي القيمة التبادلية لتترك المكان
للقيمة الاستعمالية، إلا أن هذا الأمر لا يتحقق إلا حينما تخرج هذه البضاعة من
مجال العلاقات الانسانية العامة، ومجال التبادل، لتدخل ما نسميه المجال
الخاص، اي مجال الاستهلاك. فهنا يكون الفرد وحيدا حيال المنتوجات التي
يستهلكها، او قد تكون هذه "البضاعة" موضوعا مشخصا ضمن مجال العلاقات
الانسانية الخاص بعلاقات القرب العائلي والصداقة، والتي تبقى بحكم كونها علاقات
خاصة تنتمي الى المجال الخاص للفرد، غير خاضعة نسبيا لمنطق السوق، وتحتفظ الى حد
ما ببعض قيم الغيرية والتضامن بين الأفراد.
ها هنا
يبدوا التقارب واضحا وبينا بين التحليلين، فعلى غرار القيمة الاستعمالية، يكتفي
وينتظم التضامن الواعي بين البشر ضمن المجال "الخاص"، أي مجال علاقات
الصداقة والعلاقات العائلية. أما في العلاقات الانسانية العامة، وبالتحديد
العلاقات الاقتصادية، فنجد على النقيض، ان وظيفة كل من القيمة الاستعمالية
والتضامن الاجتماعي تصير ضمنية ومخفية من قبل العوامل المتحكمة في أنانية الانسان-الاقتصادي
L’homo-oeconomicus الذي يسير
ويوجه عقلانيا عالما مجردا وكميا محضا من القيم التبادلية.
لنؤكد
على الأهمية القصوى لهاتين الظاهرتين بالنسبة للبنية النفسية الخاصة بالبشر الذين
يعيشون في المجتمع الرأسمالي. اننا نجدهم في البدء مجبرين على حمل القطيعة
الموجودة على مستوى العلاقات المباشرة بين البشر والطبيعة. فالقيمة الاستعمالية
كانت مرتبطة بالجانب الحسي والمتعدد للأشياء الطبيعية او المصنوعة، أما القيمة
التبادلية فتتجرد عن كل خاصية حسية –وتكون مشتركة بين جميع البضائع- ولا تعترف الا
بالاختلافات الكمية. وبهذا يتم اقصاء كل عنصر كيفي على نحو جذري. والحق انه لم تكن
نتائج هذا التحول في مجموعها سلبية، فلقد حفزت في اليونان القديمة، وفيما بعد في
اوروبا الغربية بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، ميلاد وتطور الفيزياء
الرياضية الميكانيكية التي تؤكد على الطابع الوهمي لجميع الخصائص الحسية، وتختزل
الكون الفيزيائي الى عناصره الكمية. كما
أنه من الحقيقي بنفس القدر أن تطور الانتاج الرأسمالي المتأسس على العامل الكمي
المحض للقيمة التبادلية قد سد على نحو تدريجي فهم البشر للعناصر الكيفية والحسية
للعالم الطبيعي. فاستحالة حساسية هذه العناصر امتيازا يخص على نحو اكبر
"الشعراء، الاطفال والنساء" اي الافراد الذين يعيشون على هامش الحياة
الاقتصادية.
ان هذا
التحول لا يقتصر فقط على العلاقات بين البشر والطبيعة وانما ايضا على مستوى
العلاقات بين البشر فيما بينهم، رغم ان نتائج هذا التحول ايضا ضمن هذا المستوى لا
يمكن اعتبارها كليا سلبية. ينطبق ويوازي ابداع الفيزياء العلمية على مستوى
العلاقات بين البشر والطبيعة، التأكيد على الحرية الفردية كقيمة وعلى العدالة كحق
يعترف لكل فرد بحرية القيام بكل ما لا يمكنه ان يعتدي على حرية الاخرين، على مستوى
العلاقات الاجتماعية. ومن الحقيقي بنفس
القدر، حتى اذا ما انحصرنا مؤقتا على مستوى الاقتصاد، أن الفرد، خاصة العامل، لا
يكون على غرار ما كان عليه الصانع في العصر الوسيط، انسانا غير قابل للتغيير
باعتباره الوحيد القادر على انتاج هذه البضائع او تلك والتي ينتجها الاخر على نحو
مختلف: نقول، ان هذا العامل، قد استحال منتجا للبضائع ذات القيم التبادلية
وبالتالي عنصرا قابلا للتغيير استنادا على حساب قد يكون معقد ولكنه عقلاني في جميع
الاحوال. فعمله الان لا يعرف باعتباره عمل هذا الفرد او ذاك، ففي المحاسبة الخاصة
بالمقاولة، يكلف عمل عامل مجهول هذا القدر من المال ويمنح هذا القدر من الربح.
وتتوسع هذه الظاهرة لتشمل العلاقات بين المصنعين او التجار. يتعلق الامر هنا
بواحدة من الخصائص الاساسية للرأسمالية، وهي الخاصية التي تقوم بتقنيع واخفاء
العلاقات الاجتماعية بين البشر والوقائع الروحية والنفسية وذلك بطبعها بالخصائص
الطبيعية الخاصة بالاشياء او بالقوانين الطبيعية. ولهذا السبب تتخذ علاقات التبادل
بين مختلف أعضاء المجتمع –التي تكون واضحة وشفافة في جيمع الاشكال الاجتماعية
الغير الرأسمالية الأخرى- شكل خاصية الاشياء الميتة: السعر.
ان عبارة
"سعر زوج الاحذية هذا هو خمس الاف فرانك" تعبر عن علاقة اجتماعية ضمنية
انسانية بين راعي الاغنام، الدباغ، عماله، موظفوه، من يقوم باعادة البيع، تاجر
الاحذية وفي النهاية المستهلك الاخير. لكن كل هذا يكون مخفيا، وأغلب هؤلاء
الشخصيات لا تعرف بعضها البعض ويجهلون حتى وجودهم المتبادل. وسيتفجأون جميعا ان تم
اخبارهم بوجود رابطة توحدهم. ان كل هذا لا يتم التعبير عنه الا من خلال الواقع الوحيد
التالي: " سعر زوج الاحذية هذا هو خمس الاف فرانك".
ولكن لا
يتعلق الامر هنا بواقع معزول، وانما بالظاهرة الاجتماعية الاساسية للمجتمع
الرأسمالي، والتي تنجلي في تحول العلاقات الانسانية الكيفية الى خاصية كمية تخص
الاشياء الجامدة، وفي ظهور العمل الاجتماعي الضروري الموظف في سبيل انتاج بعض
المنتوجات كقيمة، وكخاصية موضوعية تخص هذه المنتوجات. ها هنا يستحوذ التشييء
ويسيطر على نحو تدريجي على مجمل حياة البشر النفسية، ويجعل المجرد والكمي سيدا
الموقف على حساب المشخص والكيفي.
في
الواقع، بالنسبة للمصنع او التاجر في اقتصاد رأسمالي فإن قيمة منتوجاته
الاستعمالية ليست سوى لفة ضرورية عليه من خلالها ان يجد قيمة اعظم من تلك التي
انطلق منها، اي قيمة مضافة، وربح.
ولكن،
وحتى يتسنى له بلوغ ذلك، عليه ان يبدأ اولا من داخل الانتاج وبقدر كبير من
العقلانية، أي أنه ينبغي عليه ان يحول جميع عناصر الانتاج الكيفية (اليد العاملة،
المواد الاولية) الى عناصر كمية كسعر التكلفة، المردودية الخ، أي تحويلها الى نظام
القيمة.
ثانيا،
اذا كانت ارادة الرأسمالي الواعية تتدخل في تنظيم عمليات الانتاج، فإن هذا الانتاج
يوجد في البدء، وحينما يتعلق الامر بشراء قوة عمل اليد العاملة والمواد الاولية،
وخاصة في نهاية هذه العملية حينما يتعلق الامر ببيع المنتوجات، في مواجهة سوق
تبدوا فيه الأحداث الواقعة كما لو كانت نتيجة قوانين عمياء ومستقلة عن الارادات
الفردية، ومهيمن عليها من قبل الاسعار، اي بخاصية الاشياء الموضوعية. وبهذا، وضمن
هذا المجال الاساسي للحياة الانسانية المتعلق بالحياة الاقتصادية، يخفي
الاقتصاد السلعي الطابع التاريخي والانساني للحياة الاجتماعية محولا الانسان الى
عنصر مستكين، كما لو كان متفرجا لنمط من الدراما يتغير باستمرار وحيث تكون الفعالية
دائما في صف الاشياء الجامدة.
وبعيدا
عن ان تكون مجرد رؤية فإن هذه الإنثناءة تشكل واقعا نفسيا عميقا يبلغ تعبيره الى
درجة اللغة. اننا نوظف على نحو يومي بعض التعابير العبثية في ذاتها، ولكنها مفهومة
من قبل جميع الناس، على غرار: "البضائع لم تصل"، "ارتفع
الجلد"، "المقاولة تسير وتعمل جيدا". كتب ماركس في رأس المال اننا
نصل بالتالي الى جانب جلي للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، والذي يعبر عنه على
نحو ممتاز تعبير احد شخصيات شكسبير: "أن تكون انسانا جيدا فذلك من فعل الظروف
ونتاجها، ولكن معرفة القراءة والكتابة، فتأتينا من الطبيعة".
وينبغي
علينا هنا ان نضيف ملاحظة تقتضي اجتهادات مكثفة وخاصة ايضا تحقيقات تاريخية طويلة
وصعبة التفعيل. في الواقع، وبالاضافة الى التشييء الذي درسه ماركس والمرتبط
بالانتاج السلعي، من المرجح ان تكون البنية الرأسمالية للاقتصاد تقوي ايضا استقلالية
الاشياء الجامدة في علاقتها بالواقع الانساني.
يرتبط
النشاط الاجتماعي في كل مجتمع ارتباطا وثيقا بالموضوعات الفيزيقية. ويمارس البشر
فعلهم ونشاطاتهم متحدين على الواقع الغير الانساني، وهذا الواقع يتحول باستمرار
بفعل نشاط البشر التحويلي هذا.
من
المرجح ان البشر قد كانوا مجبرين في كل مجتمع، وحتى يتسنى لهم ممارسة فعل تحويلي
على هذا الواقع الغير الانساني، على القيام بفصل بين الجانب الاستعرافي l’aspect cognitifللواقع الفيزيقي، وعلاقاتهم
الفعالة والانفعالية مع هذا الواقع، خالقين ومبدعين بالتالي لعالم يمكننا ان نخوض
فيه انطلاقا من النمط النظري، ومن النمط الرصدي. ومن المرجح ايضا، وحتى يقوموا
بذلك، انهم قد كانوا في النهاية مجبرين على امتداد تاريخهم بربط هذه الجداول
المتغيرة باستمرار التي تمثلها المعطيات الامبريقية المباشرة بالمفاهيم
اللامتغيرية les concepts invariants والتي مثل مفهوم الشيء
والموضوع أكثرها اهمية بالنسبة للحياة اليومية.
ومع ذلك
تطرح مشكلة البنية التي تتخذها في وعي البشر، وفي مختلف المجتمعات، العلاقة بين
المفاهيم المتغيرية والتطور العام، وبين العلاقة الموجودة على نحو خاص بين الاشياء
والفعل الانساني التحويلي لها. ففي "الأطروحات حول فيورباخ" طرح ماركس
هذه المشكلة على المستوى الجوهري الخاص بالعلاقات بين الادراك والنشاط الادراكي.
وفي أيامنا اعاد جان بياجيه اكتشاف مواقف ماركس في دراساته التجريبية عن الادراك.
ونرجح من
منظورنا انه ضمن المجتمع الرأسمالي، وعلى نحو اوضح مما كان عليه الامر ضمن الاشكال
الاجتماعية الاخرى، وبما ان خاصية المنتوج تنفصل في كل لحظة على نحو جذري عن
منتجيه، وان العامل ينتج موضوعات واشياء لا يتملكها، فإن كل هذا يساهم في جعل
مقولة اللامتغير، ومقولة الشيء ذات اهمية قصوى مرجحة بالنسبة للمستقبل، وفي جعلها
النظرية الاكثر ترجيحا بخصوص نشاط البشر التحويلي.
ومن جانب
اخر، وهذا ما اوضحه ماركس، لا يكون النشاط الانساني في المجتمع الراسمالي فقط
منفصلا عن منتوجاته وانما ايضا مشبها بالاشياء بقدر ما تستحيل قوة العمل بضاعة لها
قيمتها وسعرها الخاص. وهذا ما يظهر في محاسبات المقاولات وأيضا في الاقتصاد السياسي
حيث يتم اعتبار قوة العمل عنصرا بسيطا من عناصر رأس المال المتداول لا يتميز في
شيء عن عناصره الاخرى (المواد الاولية الخ).
وفي
النهاية لابد لنا ان نضيف انه اذا كان الانتاج الرأسمالي ينزع الى التوسع واخذ
مكان أشكال الانتاج الاخرى، جاعلا الواقع يطابق مقولاته الخاصة، فإنه على امتداد
مرحلة تاريخية طويلة، والتي هي في ايامنا هذه في طور التجاوز بفضل الالية، قد حول
جذريا وضعية القسم الاعظم من الطبقة العاملة من خلال تقليله لشرط الكفاءة
والاختلافات بين الافراد، محولا اياهم الى عناصر قابلة للتغيير ومستبدلا نشاطهم
المشخص بالعمل المجرد، البسيط والضروري اجتماعيا، الذي يمثل اساس القيمة.
نستخلص
اذن ان الاقتصاد السلعي خاصة الاقتصاد الرأسمالي ينزع نحو استبدال القيمة
الاستعمالية بالقيمة التبادلية، والعلاقات الانسانية المشخصة والدلالية بالعلاقات
المجردة والكونية القائمة بين المشترين والبائعين، في وعي البشر. وبالتالي نجد ان
هذا الاقتصاد يميل الى استبدال الكيفي بالكمي ضمن مجموع الحياة الانسانية. والأكثر
من ذلك، نجد هذا الاقتصاد يفصل المنتوج عن المنتج ويقوي بالتالي استقلالية الشيء
في علاقته مع نشاط البشر ومع المستقبل. ويجعل في النهاية من قوة العمل بضاعة وسلعة
لها قيمتها الخاصة –وهذا يعني ايضا انه يحول واقعا انسانيا الى شيء- ويرفع على
امتداد حقبة تاريخية طويلة قيمة العمل الغير المؤهل او الاقل تأهيلا عوض العمل
المؤهل، مغيرا على مستوى الواقع المباشر، الاختلافات الكيفية بالاختلافات الكمية
البسيطة.
القسم الثاني: -
ماكس فيبر وتكوين الدولة البيروقراطية الحديثة- التشييء والنزعة الصورية
القانونية- الانسان باعتباره عبدا للقوانين المجردة وللأشياء-
ولكن
عديدة هي نتائج التشييء على جميع اصعدة الحياة الانسانية الغير الاقتصادية. لعل
أهمها يتعلق بتكوين الدولة البيروقراطية الحديثة. لقد سبق لماكس فيبر ملاحظة أن
تطور الانتاج الرأسمالي لا يمكن ان يبلغ درجة معينىة دون وجود ادارة وعدالة
ممأسستين يمكنان من التنبأ بالقرارات حتى يتسنى اقحامها منذ البداية ضمن محاسبات
المقاولات، يتعلق الامر هنا بإدارة وعدالة يتأسسان على القرارات الموجهة من قبل
المبادئ الصورية والمجردة، والتي لا يمكن مساؤلتها ونقدها عند كل حالة جزئية حتى
وإن كان ذلك باسم اعتبارات انسانية. وبدون شك يتعلق الامر هنا بضمانة مهمة
للمواطنين تحميهم من بطش بعض الموظفين والقضاة، إلا أن هذا الواقع يؤدي ايضا الى
صورية ومأسسة يمكن ان يصيرا عند كل حالة جزئية امرا عبثيا.
إن ضرورة
معاقبة المجرمين والدفاع عن نظام معين للعلاقات الاجتماعية هي وقائع مشتركة تخص
جميع المجتمعات الطبقية، لكن المجتمعات القديمة الرأسمالية جزئيا والمجتمع
الرأسمالي الحديث قد تميزا حصريا بالنزعة الصورية القانونية التي تحول القاضي الى
الة تطبق، ويحدث ذلك غالبا ضد ارادته، قانونا مجردا وتصدر احكاما لا تكون قانونية
الا بقدر ما تنفصل عن الانصاف والمقولات الانسانية.
لكن
بالنسبة للاقتصاد الرأسمالي كان هذا الامر ضرورة حتمية. فإذا كان الصراع القانوني
واحدا من احتمالات واثارالانتاج فإنه كان من الضروري جعله قابلا للحساب الدقيق من
اجل ادماجه بالحساب العقلاني لمخاطر المقاولة. لقد كان من الضروري، كما تصف لنا
صورة فيبر ذلك بامتياز، ان تستحيل العدالة الى الة تمكن المقاولة من التنبؤ على
نحو يقيني بالحكم الذي ستناله، بضغطها على زر الاجراء القانوني وبسحبها للرمز
الذي يمثل هذا المبلغ او ذاك ضمن النفقات. وبدون شكل كان لتكون هذه العدالة
الصورية جوانب ايجابية، لأنها قد قلصت على نحو كبير السلطة الشخصية التعسفية،
ولكنها ايضا تمنع وتقصي الاعتبارات الانسانية من وظائف الجهاز القانوني، وذلك
بتحويلها الى قانون لا شخصي مجرد ومشيء. في روما حيث لم تكن الرأسمالية سوى ظاهرة
جزئية، نجد ان بعض التعبيرات السائدة من قبيل: « Summum
jus summa injuria » (والتي تعني ان التطبيق
المبالغ فيه للقانون يؤدي الى الظلم والجور) أو « Fiat
justitia pereat mundus » (لتسود العدالة حتى وان كان ذلك على حساب زوال
العالم). قد حافظت على رد الفعل الشعبي ضد تشكيل القانون المجرد والمشيء[5].
واذا
كانت في ايامنا هاته مؤسسات من قبيل المحلفين، قاضي الاطفال، الظروف التخفيفية
والحكم مع وقف التنفيذ قد أقحمت، ضمن مجال القانون الجنائي، مرونة معينة تمكن من
الاخذ بعين الاعتبار شخصية المتهم والوضعية المشخصة التي أحاطت بفعله، فإن ذلك
يبرز ان التشييء يفقد اثاره ضمن بعض المجالات، ولكن الصورية القانونية تبقى سيدة الموقف
في القانون المدني والتجاري حيث يتعلق الامر مباشرة بمحاسبات المقاولات.
وتستمر
بالتأكيد العلاقات الاساسية في الوجود وفي القيام بوظائفها من خلال التشييء:
فالخباز يطبخ الخبز الذي سيأكله صانع الأحذية وهذا الاخير سيصنع الاحذية التي
سيعتليها الخباز من بين اناس اخرين، وسيضمن القاضي، من خلال احكامه، دوام وظيفة
النظام الاجتماعي القائم. ولكن هذه الوظائف لا تؤدى الا على نحو ضمني، فهي تضعف
وتختفي غالبا على نحو كامل من وعي البشر، وحتى بعض مخلفاتها التي تظل في هذا الوعي
لا علاقة مباشرة لها بالحياة والفعل اليومي. فعلى نحو مباشر، يطبق القاضي القانون،
ويقوم الخباز بتحضير الخبز من أجل بيعه وكسب المال. بالنسبة الى القاضي لا يشكل
المتهم الا موجودا مجردا، وبالنسبة الى الخباز لا يشكل المشتري الذي يدخل المتجر
ليستهلك البضاعة ويترك المال سوى الة. ومن جهة اخرى ايضا يكون الخباز في معظم
حياته وشخصه الا عبارة عن الة تقوم بالسلوك المعاكس الذي يقوم به الخباز. صحيح أن
الالتين تمثلان انسانين عليهما ان يتواصلا وان يتحدثا معا، وفي بعض الاحيان يدخلان
في علاقات اجتماعية ويلتقيان في بعض الاماكن ضمن مجال البرجوازية الثقافية
والمالية. ولكن كل هذا ليس جوهريا، فلا يتعلق الامر هنا سوى بالشكل الخارجي الحتمي
للواقع الاساسي، واقع الشيء الجامد، -السلعة- الذي يستبدل بشيء جامد اخر وهو
السعر. وفي هذا الجانب وذاك، تستحيل حياة البشر النفسية مجرد امتداد ثانوي للواقع
الوحيد الفاعل والفعال، أي واقع الاشياء الجامدة. فبالنسبة لأصحاب الدخل الريعي،
يرتفع المال ويعيد انتاج نفسه كما لو كان كائنا حيا. واللغة تعكس بدورها هذه
الوضعية حينما نقول "المال يعمل"، "رأس المال ينتج"،
"عوائد الارض" الخ.
ولهذا
السبب فإن جميع ما يقوله هؤلاء الناس ضمن الوضعيات التي لا تتعلق بمصلحتهم
المباشرة يصير خاطئا، عرفيا وسطحيا. فنفسية البائع هي التي تمدح مهنيا بضاعته –
حتى لئن كان هذا البائع على معرفة تامة بأن هذه البضاعة هي اسوء الخردة- وهي التي
تكون وراء ظهوره بشكل لطيف امام الزبون حتى وان كان يلعنه داخليا. تستحيل الجملة،
الكذب العرفي والديماغوجية السياسية والاجتماعية سيدة الموقف والظاهرة العامة التي
تسيطر على معظم وجود جميع البشر لتقتحم احيانا حتى جذور حياتهم الشخصية الاكثر
سرية بل وحتى علاقاتهم الايروسية، وذلك لأن الحب يتحول أيضا، وفي الغالب، الى
ديكور خارجي وعرفي لزواج المصلحة، على غرار علاقات الوالدين بأبنائهم وعلاقات
الاخوة والاخوات التي تستحيل ايضا، في الغالب، الى مشاكل تخص المكانة الاجتماعية
او الارث.
ها هنا
يبدوا أن الانسان يتصرف كالة خاضعة ومستكينة لفعل القوانين الاجتماعية الخارجة عنه
بالكامل.
تفقد هنا
على نحو ضمني حياة الانسان النفسية بالاضافة الى "شخصيته"
و"روحه" كل اتصال جوهري مع مادة معينة التي تبدوا غريبة عنه ولا واقعية.
(والموقفان ينطبقان على الثنائية الديكارتية ومثالية فيشته).
وضمن
المجال "الخاص"، ونعني هنا محال العلاقات العائلية والصداقة –وهو المجال
الاكثر ابتعادا عن كل نشاط اقتصادي بل وكل نشاط عمومي- تبقى قيم التضامن الانسانية
أقل خضوعا للتشييء. وهذا ما يؤدى الى ثنائية نفسية سيكولوجية والتي تصير واحدة من
البنيات الاساسية للانسان في العالم الرأسمالي. يمكن للفرد ان يظل انسانيا في
علاقاته مع زوجته، ابناؤه واصدقائه. أما فيما يخص مجالات نشاطه الاجتماعي الاخرى،
فعليه ان يكون بالتالي متوافقا مع المنظومة القائمة، مع قوانينها المكتوبة والغير
المكتوبة، ومع قانون السوق الذي يتأسس على علاقات الانانيات العقلانية. فإذا كان
هذا الفرد مصنعا ام تاجرا، فإن عليه ان يخضع للقائد، واذا كان عاملا او موظفا فإن
عليه ان يخضع لأوامر من يفوقه من ناحية التراتبية، واذا كان موظفا فإن عليه ان
يخضع للقواعد العامة. كل هذا من اجل تفادي الموت الاجتماعي او الاقتصادي. وهكذا
يستحيل الانسان عبدا للقوانين المجردة وللأشياء الجامدة.
"ان
الملك هو خادم دولته الاول" يقول فريدريك الاعظم، والمقاول الصغير يصير
الخادم الأول لمقاولته. وهذه الثنائية، التي تعبر عن نفسها حتى في المحاسبة، حيث
يتم تسجيل جميع النفقات الشخصية في الخصوم باعتبارها "نفقات" تتعارض مع
"ارباح" المقاولة الايجابية، تحتوي في ذاتها على اخطار همجية متعددة
سنخوض فيها لاحقا، أخطار صحيح ان المجتمع الرأسمالي قد قام بتخفيفها بواسطة طابعه
الفوضوي ونزعته الفردية الا انها لم تكن فيه اقل واقعية واقل تهديدا. لقد أوضح
شارلي شابلن على نحو ممتاز هذا الأمر في "السيد فيردو"[6] الذي تحول الى وحش بسبب
رغبته في الحنان والاحترام العائليين. ولقد عالج برتلود بريخت القضية ذاتها في "روح سيشوان الجميلة". وقصة السيد جيكيل
والسيد هايد تعبر عن واقعة انسانية اساسية يخلقها على نحو مكثف ودائم المجتمع
الرأسمالي، عند كل الافراد الذين يقبلون ويخضعون للتشييء.
صحيح انه
من زمن الى اخر، تميط اللثام الكوارث الاجتماعية الكبرى عند البعض عن البعد
الحقيقي للواقع الاجتماعي الانساني، مع تقويتها في نفس الوقت للتشييء عند الاخرين.
يحدث اذن احيانا ان يتذكر الخباز وصانع الاحذية، واحيانا العامل ومالك المصنع،
انهم جميعا بشر يدافعون عن الحرية ضد الاستبداد والقهر، وحتى الرسامين
السورياليين، الشعراء، والفلاسفة انصار النزعة الفردية يستوعبون احيانا ان
لوحاتهم، شعرهم وفلسفتهم لا قيمة روحية لها ما لم تتجسد في علاقة مع الشعب، مع
الواقع والمادة، لكي تستحيل هذه الاعمال وقائع فعالة وفاعلة.
مع
الاسف، لا مجال هنا لصناعة الاوهام، فبقدر ما يضل المجتمع الرأسمالي قائما، فإن
حالات الوعي المشار اليها ستبقى تعبيرا عن وضعية استثنائية لن تدوم طويلا. يكفي ان
يستعيد التوازن مكانه حتى يقوم ميكانيزم الحياة الاجتماعية اليومية باستعادة
التشييء لنسقط مرة اخرى في الحالة القديمة لنظام الاشياء.
القسم الثالث: التشييء
والعلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية- التشييء، الاصالة الذاتية والاصالة
الموضوعية-
والأكيد
ان نتائج التشييء تتوسع لتشمل جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية حيث ينبغي
تحليلها بواسطة مونوغرافيات واسعة على نحو اكبر من المقدمة التي نحاول تقديمها
هنا. في سنة 1923 طور لوكاتش العناصر الاولى لتحليل تطبيقي مشابه حول الفلسفة
الألمانية[7]. ويبدوا ان علماء النفس
المعاصرين قد تمكنوا من توظيف هذه العناصر كمفهوم عملي في سبيل تحليل بعض حالات
الفصامية[8]، ولكن الجزء الاكبر من
العمل لم ينجز بعد بكل تأكيد.
ان ما
يهمنا هنا هو التغيير الذي يحدثه التشييء في طبيعة العلاقات بين البنية التحتية
والبنية الفوقية. في مجموعها، تبقى الظاهرة عامة. اذا كنا ما نحيل اليه من خلال
مصطلح التشييء هو بالدرجة الاولى ظهور العمليات الاقتصادية في الحياة الاجتماعية
كظاهرات مستقلة، مما ينتج ضهورها ايضا في
شكل ظاهرات كمية محضة، فإن نتيجة هذا التشييء الاولى تتحدد في استلاب كامل لهذه
الظاهرات من فعل البنية الفوقية من خلال تقوية وتعظيم تأثير فعل هذه الظاهرات على
هذه البنية الفوقية.
وتأخذ
هذه النزعة العامة في كل مجال جزئي أشكالا مختلفة ولا يسعنا ان نتفادى ان نقدم على
الاقل بنيتين متمايزتين –رغم ضيق مجال بحثنا في هذا الصدد-: المجالات المرتبطة
اكثر بالحياة الاقتصادية، كالحق والسياسة، والمجالات الاكثر ابتعادا عنها، كالحياة
الثقافية، الاخلاقية والدينية الخ.
وفيما
يخص الحق، فهو يرتبط على نحو وثيق بالحياة الاقتصادية –باستثناء الحالات
الاستثنائية والانتقالية (السوق السوداء، الخ)- يجعل من الممكن وجود حيود هام يتسع ليشمل مجالا
كبيرا من الانتاج[9].
وأيضا نجد ان تطور الانتاج الرأسمالي في أوروبا الغربية قد ألحق تغييرا جذريا في
البنية الفوقية القانونية التي تبدوا على نحو اكبر كانعكاس بسيط للحياة
الاقتصادية.
أما فيما
يخص السياسة، فإن ما يميز التكوينات الاجتماعية الغير الرأسمالية هو تحديدا اندماج
السياسي بالاقتصادي وعدم امكانية تمييز احدهما عن الاخر. يكفي ان نشير الى
الاتاوات والضرائب والاعمال الشاقة في المجتمع الفيودالي على سبيل المثال او الى
اتوات وضرائب الولايات في روما القديمة لكي نرى الى اي حد يكون من الصعب فصل
الاقتصادي بمعناه الدقيق عن القوة السياسية القسرية.
وحتى
نتفادى التكرار، لابد من التذكير ان العامل الاقتصادي يكون ظاهرة مستقلة فقط
حينما يتعلق الامر بالمجتمع السلعي، وان ظهوره يكون بالضرورة مصحوبا بظهور
ملازم لمجال سياسي خاص لم يوجد في السابق[10]. وفي الواقع وبقدر ما يكون التشييء مرتبطا بوجود
اقتصاد مستقل له قوانينه الوظيفية الخاصة، فأن هذا التشييء يتجه صوب اختزال شامل
لمجال الدولة السياسي من خلال تحويلها الى مجرد مدير بسيط من اجل ادارة مصالح
الطبقة السائدة المشتركة. انها الايديولوجية الليبرالية وبدرجة اكبر –ورغم ما
يبدوا ظاهريا- واقع العلاقات بين الاقتصاد والدولة الى غاية عشية الحرب العالمية
الثانية (او لنقل على نحو ادق الى غاية بروز الهيتلرية و [11]New-Deal)
وهكذا
فإن تطور الاقتصاد الرأسمالي الفوضوي يميل الى اختزال حق الدولة الى تعبيرات تريد
ان تكون فعالة ومستقلة، ولكنها في الواقع مستكينة وسلبية، -او لنقل على نحو ادق ان
هذا الانتاج يميل الى سلبية شاملة دون ان يتمكن من بلوغها- والى الواقعة الفعلية
والجوهرية الوحيدة والفعالة، ونعني هنا الحياة الاقتصادية ومصالح الطبقات السائدة.
أما فيما
يخص مجال البنية الفوقية الروحي –الدين، الاخلاق، الحياة الثقافية، الأدب، الفن،
الفلسفة- فإننا نجد العملية نفسها تجري بدرجة أكبر وعلى نحو غير قابل للمقارنة. وتكفي
الاشارة الى واقع مميز وبليغ في نفس الوقت من اجل استيعاب هذا الأمر. لقد كانت
النتيجة الطبيعية لظهور الظاهرات الاقتصادية المستقلة في العالم الرأسمالي تشكل
علم يخص المجتمع الرأسمالي ويهتم بدراسة هذه الظاهرات، ونعني هنا علم الاقتصاد
السياسي. ولكن اذا كان من الممكن ضمن حدود معينة افتراض وجود دراسة في علم
الاقتصاد السياسي تجهل المشكلات القانونية او السياسية، وهذا رغم ان اغلب القراء
سيشيرون الى هذا الاغفال باعتباره ثغرة، فإننا سنكون على النقيض متفاجئين اذا
وجدنا في دراسة مشابهة معالجات دينية، جمالية، أدبية او فلسفية وسيكون هذا الامر
بكل تأكيد استثناء جد ملفت للنظر.
ويمكننا
ان نضيف انه، وعلى نحو معكوس، لا يمكن لأحد اليوم ان يتفاجـأ بوجود تحليل للحياة
الاقتصادية ضمن دراسة تخص مجال الفلسفة، الأدب أو الفن.
ان هذا
الرصد يخص ببساطة الخاصية الاساسية لبنية المجتمع الرأسمالي الكلاسيكي[12]: ففي مجتمع كهذا يتمتع
الاقتصاد –باعتباره المجال الاكثر توسعا للحياة الاجتماعية- باستقلالية شبه شاملة،
واذا كان يتأثر بدرجة أقل بفعل الحياة القانونية والسياسية، فإنه على النقيض لا
يخضع لتأثير الدين، الاخلاق، والحياة الروحية، في حين نجده يأثر فيها جميعا على
نحو قوي.
ولعل
واقع ان الدين، الاخلاق، الفلسفة، الأدب الخ لا تمارس تأثيرها الا ضمن المجال
المختزل واللاجوهري الخاص بحياة المجموعة والذي ندعوه ب: "الحياة
الخاصة"، وانها قد فقدت تأثيرها على الحياة الاقتصادية، ينزع عنها قدرا عظيما
من أصالتها.
ولكن
ينبغي علينا ها هنا ان نضيف بعض التدقيقات. اذا كنا نريد ان نضفي على كلمة
"أصالة" Authenticité معنى علمي وعملي (ولنقل ايضا
ببساطة انه اذا كنا نود التأسيس لفينومينولوجيا مشروعة خاصة بالاصالة) فإنه من
اللازم تمييز الاصالة الذاتية عن الاصالة الموضوعية. وذلك تحديدا لأن فقدان كل
تأثير على الحياة الاجتماعية والاقتصادية، مع التركز ضمن المجال الخاص للوعي
الفردي يمكن ان يعطي للظاهرات الدينية، الاخلاقية، الجمالية الخ افراطا في الاصالة
الذاتية التي لا تشكل الا الجانب الاخر للزيف واللاأصالة الموضوعية الراديكالية.
وهذا هو
مفتاح الفن والفلسفة الرومانسيتين اللذان من شدة افراطهما في "الاصالة"
و"العمق" الذاتيين يقصيان كل اهتمام بالاتصال مع الواقع ويؤديان بالتالي
الى اسوء الامتثاليات.
ومن
الجلي ايضا ان مشكلات الفن والفلسفة الكلاسيكيتين في مرحلة التشييء تطرح ايضا
مشكلات معقدة. لنعد مع ذلك الى المشكلة الأولى: ان اللاأصالة والزيف
الموضوعي للروحي ضمن العالم الرأسمالي ناتج في ان من واقع فقدانه لكل فعل على
الحياة الاقتصادية (مما يؤدي ايضا الى فقدان تأثيره على مجالات الحياة الاجتماعية
الاخرى ذات الارتباط بالاقتصادي، كالحق، الدولة، السياسة الخ)، ولكونه يخضع لتأثير
متعاظم وتدريجي للاقتصادي وخاصة للتشييء. لنؤكد ان الامر هنا لا يتعلق
بحالة متحققة بالكامل، وانما بعملية تميل الى استبدال تدريجي للاصالة الذاتية
بالزيف واللاأصالة، والى حد ما، بالنية السيئة.
وهذا
الامر من السهل رصده فيما يخص كل مجال من الحياة الروحية. لنتوقف هنا –فقط من اجل
تقديم الأمثلة- عند الأدب والسينما. فالكتاب او الفيلم هما اولا من بين امور اخرى
بضائع. وباعتبارهم كذلك نجدهم مندمجين ضمن مجال للانتاج الرأسمالي لا يمكنه البقاء
الا اذا كان مربحا وقادرا على جلب الأرباح.
في
التحليل الأخير، وبغض النظر عن مصلحة الناشر الذاتية او المنتج فيما يخص القيمة
الاستعمالية الخاصة بالموضوعات التي ينتجونها، وهي هنا، القيمة الجمالية
والانسانية للكتاب او الفيلم، فلا يمكنهم، الا في حالات استثنائية، عدم الاخذ بعين
الاعتبار لطابعهما الربحي. وهكذا نكون بالتالي امام مجموعة من المنتجين والناشرين،
تبدأ من اولئك الذين ينحصر عملهم مع الاشياء القيمة والمربحة الى حد ما في نفس
الوقت، مرورا ببعض الكبار الذين يقسمون نشاطهم الى مجالين يكون اولهما مربحا بشكل
كبير ويمكن من دعم قيمة وخاصية الثاني، الى غاية الناشرين وخاصة المنتجين الذي لا
يعطون اي اهمية للقيمة ولا يهتمون الا بالربح. (لابد من الاشارة ان هؤلاء
الاخيرين، الذين يتمتعون غالبا بالقوة والثراء، لا يشكلون لحسن الحظ، في اوروبا
الغربية، المجموعات الاكثر معرفة والاكثر شهرة ولا يتمتعون بأي جاه في علاقتهم مع
الجمهور. وهذا راجع لأن الكتاب يغطي مصاريفه بمجرد نشر بضعة الاف من النسخ وان كل
دار نشر يمكنها ان تحافظ على مستوى جدي من خلال الانحصار على الفئات المثقفة، وذلك
باستبدال التوزيع بعدد الاعمال المنشورة. ولكن الوضعية هي اساسا جد مختلفة فيما
يخص الفيلم او الصحافة حيث الربح يقتضي اقتحام البرجوازيات الصغيرة والفئات
العمالية.)
ولكن
توزيع كتاب او فيلم يرتبط، حتى ان وضعنا جانبا ومؤقتا التدخل الايديولوجي لبعض
القوى الاجتماعية او المؤسساتية، بالمقولات الذهنية والنفسية، وبذهنية المشترين
المحتملين. وهكذا تفسر سيطرة التشييء الكاملة على اغلب عناصر المجتمع، واختزال ما
سبق لنا ضبطه تحت مسمى الاصالة الذاتية في مجموعة محددة من الافراد، والتي لا تشكل
الا جزءا غير مهم لمجموع المجتمع، لماذا الأدب والسينما الفارغان من ناحية الاصالة
هما اللذان يحققان اكبر قدر من الارباح. وهكذا نصل بالتالي –حتى على مستوى نفسية
الكاتب والمخرج الفردية- الى جانب الشاعر، الاديب، او المخرج الرومانسيين الذين
يترجمون ويعكسون على مستوى ثقافي وادبي عال الى حد ما نفسية البرجوازية الصغيرة
المشيئة التي تتحدد نواتها في القطيعة بين روح "عميقة" و
"جوهرية" وواقع يومي ليس ذو اهمية (من هنا سيادة قصص العاهرة ذات الروح
النقية، رجل المافيا الطيب، الذي يحب اللعب بالقطار الكهربائي لأنه عاش طفولة
صعبة، الخ)، كما نصل الى كاتب الروايات السوداء وصحافيو صحافة المشاعر.
فعلى
مستوى الادب "المشروع"، يتمظهر التشييء اولا في الازدهار المتعاظم الذي
عرفه الشكل الادبي المنسجم مع تطور المجتمع البرجوازي والعالم الرأسمالي في القرن
التاسع عشر: ونعني هنا الرواية. ففي جوهرها، تحكي الرواية عن قصة بحث، عن أمل يفشل
ويتعرض للاحباط بالضرورة. وهكذا، وبقدر ما تكون الرواية حكاية بحث او حكاية أمل،
فهي تقتضي سيرة ذاتية فردية، في حين نجد انه بقدر ما يكون الكاتب مجبرا على وصف
الوسط الذي يدور فيه هذا البحث والاسباب التي تؤدي بالضرورة الى احباطه، تكون
الرواية ايضا حكاية اجتماعية.
ولقد مكن
هذا الشكل الروائي كتاب القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كتاب المرحلة
التي تلت ما اسماه جوته ب "نهاية الحقبة الشاعرية"، اي الحقبة التي كان
فيها المبدع ما يزال يحس بانسجام مع المجتمع، حيث الفن والأدب يعرفان باعتبارهما
ابداعا وخلقا "طبيعيا" (لقد وضع شيلر المشكلة ذاتها في دراسته الشهيرة عن
الشعر الاحساسي والساذج)، كيلزاك، ستندال، فلوبير، زولا، وفي ايامنا هذه مالرو،
توماس مان واخيرا باسترناك، من وضع مشكلة البحث عن الانساني في عالم غير انساني،
مع وصف لجوهر هذا العالم.
[1] : جورج
لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي، برلين، 1923.
[2] : نوظف في
هذا العمل مفهوم المجتمع الرأسمالي الكلاسيكي للاشارة في نفس الوقت الى الرأسمالية
الليبرالية والرأسمالية الامبريالية التي تقتضي تدخلا ضعيفا للدولة.
[3] : كارل
ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، ص: 75. (Ed. Sociales. Paris): "يكون منتوج العمل، في كل حالة اجتماعية،
قيمة استعمالية او موضوع انتفاعي، ولكن وفقط ضمن مرحلة محددة من التطور التاريخي
للمجتمع، يتحول على نحو عام منتوج العمل الى سلعة، وهي المرحلة التي يتخذ فيها
العمل المبذول في سبيل انتاج الموضوعات شكل الخاصية المتأصلة في الأشياء وفي قيمها."
وفي كتاب ماركس الاخر "نقد
برنامج غوتا" (Ed. Sociales. P : 23) نجد النص التالي:
"ضمن نظام اجتماعي أهلي متأسس
على الملكية المشتركة لوسائل الانتاج، لا يتبادل المنتجون منتوجاتهم، ولا يتخذ
ايضا العمل المبذول والمتجسد في المنتوجات شكل قيمة هذه المنتوجات، أي شكل خاصية
واقعية تمتلكها هذه الموضوعات، إذ خلافا لما يجري في المجتمع الرأسمالي، تستحيل
اعمال الفرد على نحو مباشر، جزءا لا يتجزء من عمل المجتمع."
[4] : كارل ماركس،
رأس المال، ص: 73. " إن المجتمع الاغريقي القديم، المتأسس على عمل العبيد
وعلى المبدأ الطبيعي القائل بالتمييز واللامساواة بين البشر وقوة عملهم، هو الذي
منع أرسطو من الكشف، في شكل قيمة البضائع والسلع، عن أن جميع الاعمال تعبر هنا عن عمل انساني غير قابل للتمييز، وبالتالي
تكون اعمالا متساوية. ما كان من الممكن الكشف عن سر تعبير القيمة، وعن المساواة
والتكافؤ بين جميع الأعمال بما هي أعمال انسانية، إلا في مرحلة تبلغ فيها فكرة
المساواة الانسانية صلابة حكم قبلي شعبي. ولكن هذا الأمر لم يتحقق الا في مجتمع
استحالت فيه البضاعة شكلا عاما لمنتوجات العمل، واستحالت فيه بالتالي العلاقة بين
البشر فيما بينهم بما هم منتجون ومبادلون للبضائع والسلع، العلاقة الاجتماعية
المهيمنة. تكمن عبقرية أرسطو في اكتشافه، ضمن تعبير قيمة البضائع، وجود علاقة
مساواة، ولكن وحدها الحالة الاجتماعية الخاصة التي كان يحيا فيها منعته من الكشف
عن مضمونها الواقعي."
[5] : ومن
الضروري ها هنا التمييز بين الصورية العتيقة ذات الاصول الدينية عن الصورية
القانونية بالمعنى الدقيق. وهذه من منظورنا مشكلة معقدة تتطلب ابحاثا مكثفة.
[6] : توضيحات
المترجم: يحكي "السيد فيردو" عن موظف باريسي في البنك اسمه "هنري
فيردو" سيطرد من عمله بعد أزمة 1929. ولكي يقوم فيردو بسد حاجيات زوجته وابنه
سيشرع في الزواج بأرامل غنيات سيمتن الواحدة تلو الاخرى بعد شهر العسل مباشرة.
ستبدأ الشكوك مع الضحية الاخيرة التي سيشرع اقاربها في التحقيق. في النهاية سيعترف
"فيردو" بجرائمه وسيحكم عليه بالاعدام. التناقض الذي يشير اليه جولدمان
هنا فيما يخص شخصية "السيد فيردو" ذو علاقة وطيدة بالثنائية التي يخضع
لها الانسان الحديث جراء ظاهرة التشييء الرأسمالية وخضوعه للعلاقات المجردة.
فالسيد "فيردو" وحش ارتكب العديد من الجرائم في حق الارامل، ولكنه ايضا
صار كذلك رغبة منه في ان تعيش عائلته حياة كريمة يملئها الحنان والعطف. لقد كان
السيد "فيردو" في "المجال الخاص" حيث التشييء أقل وطأة متشبتا
بالقيم الانسانية، في حين نجده ضمن مجال العلاقات الانانية حيث يسود التشييء بدرجة
اكبر وحشا. ان ثنائية الطيبوبة في "المجال الخاص"، والوحشية في باقي
مجالات الحياة الاخرى لا تخص فقط السيد "فيردو" من منظور جولدمان وانما
الانسان المستلب الحديث عموما.
[7] : جورج
لوكاتش، المرجع السابق، الفصل الرابع.
[8] : يتعلق
الامر هنا بالاعمال طور التحضير التي يقوم بها الدكتور جوزيف جابل. راجع الدراسات
التالية لنفس الكاتب:
التشييء، بحث في علم النفس الخاص بالفكر الجدلي،
1951. كافكا روائي الاستلاب، 1953. ودراسته عن رواية كامي "الغريب".
لكن لابد من الاشارة الى وجود
اختلاف جذري بين تصورنا للتشييء وتصور الدكتور جابل الذي يبدوا لنا تصورا برغسونيا
على نحو اكثر من كونه تصور ينطلق من نظرية ماركس ولوكاتش.
[9] : بقدر ما
يتعلق الامر فقط بالتجارة وبمجال جزئي للانتاج، فإن هذا النوع من الحيود قد تمكن
من الوجود على نحو مديد، على سبيل المثال يمكننا ذكر الحيود بين منع القرض
بالفائدة في الحق الكنسي ووجوده الواقعي في اشكال تمويهية بقدر ما داخل المجتمع.
[10] : ان واحدة من الاعتراضات الاساسية التي وجهها كالفيز R.P.J. Calvez لفكر ماركس تتأتى من واقع انه لم يأخذ بعين الاعتبار
تحليل ماركس للتشييء. فهو يرى في الواقع وجود عدم انسجام داخلي في هذا الفكر حينما
يتعلق الامر بتفسير التراكم الجاري كظاهرة اقتصادية محضة، في حين نحد ان هذا
الفكر، يفسر على النقيض، التراكم البدئي كواقع اجتماعي مشروط بالعنف والمكر.
مع الاسف لم يتمكن كالفيز من
ملاحظة انه لا وجود بالنسبة الى ماركس لظاهرة اقتصادية محضة الا داخل الرأسمالية،
في حين ان ميلاد هذه الرأسمالية ضمن التكوينات الاجتماعية السابقة لا يمكنه ان
يكون، على غرار كل ما يميز التكوينات الاجتماعية الغير الرأسمالية، الا ظاهرة
اجتماعية عامة. ان فكر ماركس في هذه النقطة نجده منسجما ودقيقا.
[11] : اننا نعلم
بالضرورة ان هذا النموذج ليس الا نموذجا عاما وان الواقع ( البونابارتية، السياسة
الكولونيالية، تأثير النبلاء التقليدي في ألمانيا، الخ على سبيل المثال) هو
بالتأكيد أكثر تعقيدا. ولكنه ينطبق على واقع يشكل قاعدة التحليلات الماركسية. أنظر
خاصة دراسة التطابق النفسي للانفصال بين السياسي والاقتصادي، وانفصال الفرد الى
برجوازي، عنصر من المجتمع المدني ومواطن للدولة.
[12] : سيكون من الصعب، على سبيل المثال،
كتابة دراسة عن الحياة الاقتصادية للمجتمعات البدائية او لمجتمعات العالم
الفيودالي دون دراسة الحياة الدينية الخاصة بهذه المجتمعات.
Commentaires
Enregistrer un commentaire