كوسمولوجيا الروح
كوسمولوجيا الروح[1]
ترجمة وتعليق: المختار منودي
يمكننا أن نقر، من دون أن نرتكب اي
جريمة ضد مسلمات الديالكتيك المادي، أن المادة تمتلك باستمرار معرفة بذاتها وتفكر
في ذاتها[2].
وهذا بالطبع لا يعني أن المادة، في كل جسيم من جسيماتها وفي كل لحظة، تمتلك
القدرة على التفكير او أنها تفكر بالفعل في ذاتها.
إن هذا القول صحيح فقط إذا نظرنا
إلى المادة بوصفها كلا، بوصفها جوهرا لا نهائيا في الزمان والمكان.
فالمادة، ومن خلال ضرورة متأصلة في
طبيعتها، تخلق باستمرار كائنات وموجودات مفكرة تقوم في كل مكان بإنتاج عضو
التفكير: الدماغ. وبفضل لانهائية المكان، فإن هذا العضو يوجد دائما في حالة فعلية،
في كل لحظة متناهية من الزمن وفي أي طية من طيات الفضاء اللامتناهي. أو بعبارة
أخرى: في كل نقطة متناهية من المكان (وهنا، بفضل لا نهائية الزمن)، سيتحقق الفكر
عاجلا أم اجلا- إن كان من الممكن استعمال هذه الكلمات في سياق الزمن اللامتناهي. وعندئذ،
فإن كل جسيم من المادة، في نقطة ما من طيات الزمن اللامتناهي، سيغذو جزءا لا يتجزأ
من دماغ مفكر. وهذا يعني أن المادة تفكر.[3]
وبالتالي يمكن القول أنه في كل
لحظة راهنة معينة من الزمن يكون التفكير خاصية كامنة في المادة.
فإذا ما قامت المادة، في نقطة
معينة من الفضاء اللامتناهي، بتدمير عضو من أعضاء الفكر (أي دماغ مفكر)، فإنها
ستعيد إنتاج هذا العضو، في لحظة اخرى بالتزامن نفسه وبالضرورة ذاتها.
وعليه فإن العضو الذي تفكر المادة
من خلاله في ذاتها لا يختفي في اي لحظة من لحظات الزمن اللامتناهي، ولذلك فإن
المادة تمتلك دائما الفكرباعتباره احد خاصياتها الدائمة[4]. فهي لا تستطيع التخلي عنه
في اي لحظة. وعلاوة على ذلك، يجب أن نفترض أن دماغا مفكرا في اللحظة الراهنة
يوجد دائما في أحد طيات الفضاء اللامتناهي، وانه يوجد هناك في الوقت نفسه في جميع
مراحل تطوره: في بعض النقاط في مرحلة نشأته وفي نقاط أخرى في مرحلة أفوله وفي نقاط
أخرى في ذروة تطوره وامكاناته.
كما كتب إنجلز: "المادة في
دورتها الأبدية، تتحرك وفق قوانين تؤدي في مرحلة معينة –هنا، الان او هناك-
بالضرورة إلى ظهور العقل المفكر لدى الكائنات العضوية."[5]
وبهذا المعنى، فإن المادية الجدلية تستعيد، في شكلها العقلاني، تلك الفكرة البسيطة
والعميقة التي عبر عنها كل من جيوردانو برونو وباروخ سبينوزا، والتي تقول إن
المادة، إذا ما نظر إليها ككل، فإن تطورها يبلغ اكتماله الفعلي في كل لحظة متناهية
من الزمن، أي ان جميع مراحل واشكال هذا التطور الضروري متحققة فعليا في المادة في
الوقت نفسه. فالمادة إذا أخذت ككل، لا تتطور: فهي لا يمكنها في أي لحظة أن تفقد
خاصية معينة، ولا ان تكتسب خاصية جديدة[6].
ومع ذلك، فإن ما قيل لا يتناقض مع
مع الأطروحة القائلة بأن كل مجال متناه من وجود المادة – مهما كان واسعا- يشهد
دائما تطورا ديالكتيكيا نشطا، بل ان هذه الاطروحة تفترضه مسبقا. غير أن ما يصح على
كل جزء متناه ومفرد من المادة لا يصح عند النظر الى المادة بوصفها كلا، أي المادة
بوصفها جوهرا[7].
بوصفها جوهرا، لا يمكن تمثل المادة
باعتبارها مجرد مجموع بسيط لأجزائها المتناهية، وكل المبادئ النظرية التي تكون
صحيحة بالنسبة لكل جزء من أجزائها تفقد صلاحيتها عندما يتعلق الأمر بالمادة بوصفها
كلا (جوهرا)، أي في دائرتها الكبرى الأبدية والمغلقة
على ذاتها.
ففيما يتعلق بكل مجال متناه ومنفصل
من وجودها، يصح القول إن الفكر ينشأ (بشكل متصل) من أساس أشكال أبسط من وجود
المادة، وقد لا يظهر أصلا في بعض الحالات؛ في حين أن أشكالا أخرى من المادة توجد
دائما وتشكل الشرط الضروري والقاعدة التي تسمح بظهور الفكر. لكن عندما ننظر إلى المادة بوصفها كلا، أي المادة بوصفها جوهرا كونيا،
فإن هذه الأطروحة لا تعود صالحة. الأطروحة الصحيحة هنا هي الأخرى التالية: ليس صحيحاً فقط أن الفكر لا يمكن أن يوجد من دون مادة (وهذا أمر كان
يعلمه كل مادي، حتى الماديون الميتافيزيقيون مثل هولباخ)، بل إن المادة أيضا لا
يمكن أن توجد من دون فكر. وهذه الأطروحة لا يمكن أن تتبناها إلا نظرية مادية ديالكتيكية، مثل
المادية التي نجدها عند سبينوزا.
فكما أنه لا يوجد فكر من دون مادة
– إذا نظر الى المادة بوصفها جوهرا – كذلك لا توجد مادة من دون فكر – إذا نظر الى
الفكر بوصفه أحد خاصياتها.
إن تصور المادة بوصفها كلا – أي
بوصفها جوهرا كليا – خالية من الغكر بوصفه أحد خاصياتها يعني تصورها بصورة غير
كافية، أي بصورة أفقر مما هي عليه في الواقع. وبهذا نكون قد حذفنا، بصورة اعتباطية، خاصية ضرورية وعامة من التعريف
النظري للمادة بوصفها جوهرا. وبالتالي نكون قد قدمنا تعريفا غير صحيح للمادة بوصفها جوهرا، واختزلنا
المادة إلى مجرد مقولة إبستمولوجية (معرفية)[8].
لنتذكر أن لينين كان يرى أنه من
الضروري تماما: "التعمق من معرفة
المادة إلى معرفة (مفهوم) الجوهر." فقط في هذه
الحالة تفقد المادة معناها المعرفي الخالص (الإبستمولوجي).
وعلى الرغم من أن الأطروحة القائلة: "كما لا يوجد فكر من دون
مادة، كذلك لا توجد مادة من دون فكر" قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، إلا أن
هذه الأطروحة هي بالتحديد الموضع الذي يمكن فيه العثور على التمييز الأساسي الذي يفصل
بين: المادية الجدلية (سبينوزا،
إنجلز، لينين) والمادية الميكانيكية (غاليليو، نيوتن، هوبز، هولباخ). فهذه
الأطروحة تقع خارج أفق المادية الميكانيكية. فالمادية الميكانيكية تستوعب الفكر فقط باعتباره نتاجا للمادة، أي
باعتباره إحدى خصائصها، وبالتالي باعتباره خاصية عرضية إلى حد ما. وكما كتب إنجلز: "هذه المادة التي
تتطور لتنتج خارج ذاتها دماغا مفكرا هي، بالنسبة للميكانيكية، مجرد حادث خالص،
يتحدد بالضرورة خطوة خطوة حيثما يحدث.[9]" وبحسب هذا التصور، فمن الممكن حتى ألا يظهر الفكر إطلاقا، لأنه مجرد
استثناء عرضي نسبيا، ناتج عن تلاقي ظروف مصادفة، من دون أن يترتب على ذلك أي تأثير
بالنسبة للمادة بشكل عام
. لكن إنجلز يعترض على هذا الموقف قائلا: "إن الحقيقة هي أن من طبيعة المادة أن تتقدم في تطورها نحو كائنات
مفكرة، وهذا يحدث بالضرورة حيثما تتوافر الشروط لذلك.[10]" غير أن هذه "الشروط الضرورية"
ليست بدورها مجرد شروط عرضية، بل إنها تخلق نفسها بنفسها بالضرورة الصارمة ذاتها
التي تحكم الحركة الكونية الشاملة. ومن ثم فإن المادة بوصفها كلا (جوهرا) تمتلك بالضرورة الفكر بصورة
دائمة في فعليته، ولا يمكنها أن تفقده ولو للحظة واحدة من وجودها في الزمان
والمكان اللامتناهيين.
وبناء على ذلك، إذا كانت الفلسفة
بوصفها علما لا ينظر إلا في الأشكال الكونية (اللامتناهية) لوجود المادة، وكان
تطور المادة ومبادئه العلمية يهمها فقط من حيث هذه الأشكال، فإن الفلسفة المادية
الجدلية لا ينبغي أن تتضمن الأطروحة التالية: "لا يوجد فكر من دون مادة، ولا توجد مادة من دون فكر". بل
ينبغي أن تتضمن أطروحة أخرى تعبر على نحو أفضل عن الديالكتيك اللامتناهي للعلاقة
بينهما: "ولأن الفكر لا يوجد من
دون مادة، فإنه لا توجد أيضا مادة من دون فكر". هذه الأطروحة تتوافق بصورة أوضح
مع الرؤية الفلسفية للمسألة، إذ تقدم حلا ديالكتيكيا لا مجرد حل مادي بسيط.
غير أن النقطة التالية في الفهم
المادي الجدلي للمشكلة لم توضح بما فيه الكفاية، وهي النقطة التي تتعلق بفهم الفكر،
أي المادة المفكرة، بوصفه الشكل الأعلى (والأسمى) لحركة المادة وتطورها.
فالفكر، من دون شك، هو أعلى نتاج
للتطور الكوني، وهو أرقى حالة لتنظيم التفاعلات، والحد الأقصى لتعقيد التنظيم.
فالعلم لا يعرف شكلا من التنظيم
أكثر كمالا من الدماغ البشري، كما أن الفلسفة لا يمكنها أن تقبل مبدأ مماثلا
يتجاوزه؛ إذ لو قبلت ذلك لدفعت ثمن هذا القبول تدميرها واستحالتها.
ذلك لأنه في هذه الحالة ستنهار
فكرة القابلية الأساسية لمعرفة العالم، وسيصبح من المستحيل بناء أي نظام فلسفي غير
الشكية أو نوع من اللاأدرية الوضعية. فلو كانت المادة قادرة على أن تنتج شكلا من الحركة أعلى من الدماغ
المفكر، شكلا يقف في العلاقة نفسها التي يقف فيها الدماغ بالنسبة للحركة
البيولوجية – كما تقف الحركة البيولوجية بالنسبة للحركة الكيميائية – فإن ذلك
سيعني الاعتراف بوجود مجال من النشاط غير قابل للمعرفة بالنسبة للفكر.[11]
وفي الواقع فإن هذا الشكل الافتراضي من التطور –
الذي سيكون أكثر تنظيما حتى من الدماغ المفكر – لا يمكن أن ينتمي إلى مجال الظواهر
المادية المعروفة لنا. بل سيكون، بوصفه شرطا تاريخيا ضروريا ثم متجاوزا، قد تم تجاوزه في مسار
التطور، لا فقط بالنسبة لطبيعة موجودة خارج الفكر ومستقلة عنه، بل أيضا بالنسبة
للفكر نفسه وسيكون هذا شكلاً من التطور لا يمكن أن يظهر إلا بعد الفكر، وأن يتأسس
عليه. وبعبارة أخرى، سيكون الفكر
قد احتفظ به فيه فقط بوصفه لحظة متجاوزة، أي بوصفه لحظة عارضة وغير أساسية، على
نحو يشبه الطريقة التي تصبح بها الحركة الكيميائية والميكانيكية في الكائن الحي
مجرد لحظة عرضية من وجوده.
إن القوانين الافتراضية لمثل هذا
الشكل من التطور لا يمكن اختزالها إلى قوانين الفكر، ولا يمكن اشتقاقها منها (أي
فهمها انطلاقا منها). وبعبارة أخرى، فإن هذا الشكل من التطور سيكون غير قابل
للمعرفة بالنسبة للفكر من حيث المبدأ، لكنه – بسبب تنظيمه الأعلى – سيكون قد هيمن
على الفكر بوصفه مجالا تصبح فيه هذه القوانين، غير القابلة للفهم أساسا، متجاوزة.
وبهذا نكون قد عدنا إلى التصور
المتقدم عند إيمانويل كانط: إذ سيصبح عالم الظواهر – سواء
الظواهر التي تحيط بنا أو ظواهر الفكر ذاته – مجرد مظهر خارجي لجوهر أعلى معين
يخضع لقوانينه الخاصة؛ جوهر هو في ذاته، بوصفه شيئا في ذاته، غير قابل للفهم.
وبعبارة أخرى، إذا قبلنا ذلك فإننا
نكون قد فتحنا الباب أمام كل أشكال التصوف والخداع الميتافيزيقي. فسنكون قد اعترفنا بوجود
شيء ما فوق الطبيعة وفوق الفكر، وهذا "الشيء" سيكون – بحكم طابعه فوق
الطبيعي – غير قابل للمعرفة أو التصور بالنسبة للفكر.
ولا يهم هنا الاسم الذي قد نطلقه
على هذا الشكل الأعلى من التطور (أي هذا الشكل الأكثر تعقيدا من الحركة المنظمة)
الذي يتجاوز الدماغ المفكر: فسيكون الأمر في جوهره واحدا سواء سميناه: فكرة الله، العناية الإلهية، روح العالم أو غير ذلك.
إن هذا المنظور – الذي ينتج حتما
عن افتراض وجود شكل من تنظيم حركة العالم أعلى من الدماغ المفكر – سيكون مثاليا
بقدر مثالية النظام المطلق عند هيجل. مع اختلاف
بسيط في نقطة واحدة: فهو يفترض بالضرورة أن هذه الحقيقة العليا غير قابلة للفهم بالنسبة
للفكر. وبعبارة أخرى، فإن هذا
المنظور سيكون أقرب ما يكون إلى الموقف الكانطي.
أما عند هيغل، فحتى لو افترض وجود
عقل فوق إنساني، فإنه ينسب إلى الفكر القدرة على أن يتطور إلى مستوى يستطيع فيه –
من دون أن يتوقف عن كونه فكرا – أن يفكر في روح العالم. ففي المنطق الهيغلي تتطابق قوانين الفكر مع قوانين المطلق وتتوافق معها. وهذا يعني أن الفكر – عبر
مسار جدلي معقد – يرتقي إلى المقام نفسه الذي تتمتع به الحقيقة العليا. وباختصار، في ظاهريات
الروح، يصبح الفكر مطابقا للمطلق، إذ يدرك القوانين التي تخضع لها العقلانية
المطلقة، ويتحول إلى تجسد لهذه الحقيقة العليا، ليصبح بذلك شكلا من الحركة الأعلى
والأكثر تعقيدا من أي شكل آخر ممكن.
لقد مثل هذا الفهم خطوة إلى الأمام
مقارنة بالتصور الكانطي. فمن الواضح أن الإقرار بوجود شكل من تطور الكون أكثر تنظيما من الفكر –
سواء فسر هذا الفكر تفسيرا ماديا أو مثاليا – يعادل تماما تبني أطروحة عدم قابلية
العالم للمعرفة من حيث المبدأ، أي عدم إمكانية معرفة القوانين العليا التي يخضع
لها وجوده.
إن المادية الجدلية، بما أنها ليست
مجرد نظام من المعطيات العلمية المؤولة بطريقة وضعية، بل نظام فلسفي وعلم خاص،
مضطرة إلى الاعتراف – شأنها شأن أي نظام فلسفي آخر- باستثناء اللاأدرية أو الشكية
– بأن الدماغ المفكر هو أعلى شكل لتنظيم المادة. كما أن الفكر، بوصفه قدرة للدماغ، هو أيضا أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه
المادة الكونية في تطورها التدريجي.
ومن ثم فإن الفكر هو أعلى نتاج
لتطور الكون. ففيه، أي في ظهور الدماغ
المفكر، تبلغ المادة الكونية درجة من الكمال بحيث تستنفد بعدها إمكانيات التطور
الأعلى من حيث تعقيد تنظيم أشكال الحركة.
وبعد ذلك لا يبقى سوى الانحدار: إما إلى مستوى
بيولوجي-فسيولوجي في حالة التدهور العقلي، أو إلى مستوى كيميائي بسيط في حالة
الموت الفيزيولوجي للدماغ.
أما الطريق إلى الأعلى فهو مستبعد. فالمادة المفكرة في الدماغ
– أي شكل الحركة الذي يظهر في الفكر – تمثل الحد الأعلى والأقصى الذي لا يمكن
تجاوزه في التطور التدريجي. وهذا الاستنتاج هو نتيجة ضرورية لأي نظام فلسفي، باستثناء اللاأدرية
والشكية؛ وهو استنتاج أدركت ضرورته جميع أنظمة الفلسفة العلمية، سواء في نظام
سبينوزا أو فيشته أو هيجل أو
إنجلز.
إن الاختلاف بين المادية والمثالية
لا يظهر في هذه النقطة، بل في طريقة تفسير الفكر نفسه وعلاقته بالعالم المادي. لكن جميع الأنظمة الفلسفية
تتفق على الاعتراف بأن الفكر هو أعلى شكل لتطور الكون، لأن هذا الاعتراف هو شرط
ضروري لوجود الفلسفة نفسها وتطورها. ولو لم يكن الأمر كذلك لما استطاعت الفلسفة أن تصل إلى أي نتيجة قاطعة،
بل لما أمكن اعتبارها علما على الإطلاق.
إذن فإن الدماغ المفكر، بقدرته على
التفكير، يمثل الحد المطلق للتطور من حيث التطور التدريجي. لكن الطابع التدريجي
للتطور ليس الشكل الوحيد للتطور. فلو كان الأمر كذلك لوقعنا في ما يسمى اللانهاية السيئة[12]. أما اللانهاية الملموسة (الحقيقية) فتتخذ – كما هو معروف – شكل
الدائرة، أو الدائرة الكبرى. فالنتاج الأسمى للتطور يعود، عبر طريق انحلاله، إلى أشكاله الأكثر
انحطاطا، وبذلك يتصل من جديد بالدائرة العظمى الأبدية للمادة الكونية.
وهذه الدائرة الكونية الهائلة،
التي لا بداية لها ولا نهاية، دائرة لا تفقد فيها المادة الكونية أيا من خاصياتها،
ولا تكتسب خاصية جديدة واحدة، فهي تضم في شكل حلقة جميع الدورات الممكنة للتطور
المحدود. إن الطابع الدائري
لللانهاية هو الشكل الوحيد الذي ينسجم مع الرؤية الجدلية.
أما البديل الوحيد لهذا التصور فلا
يمكن أن يكون إلا فكرة تفترض وجود: بداية للتطور الكوني ونهاية له، مثل فكرة: "الدفع الأول" أو "الحالة الأولى المتطابقة مع
ذاتها" أو ما شابه ذلك.
ولهذا فإن الفكر بوصفه خاصية من
خاصيات المادة – بل أيضا بوصفه أعلى نتاج للتطور الكوني – يدخل ضمن هذه الدائرة
الأبدية الكبرى للمادة الكونية، ويتجدد باستمرار في دوراتها. إنه يظهر كحلقة من حلقات دائرة التطور، كوصلة يمر عبرها الكل الكوني
للدائرة العظمى، بطريقة ما، وبضرورة صارمة.
وبعبارة أخرى، يظهر الدماغ المفكر بوصفه إحدى الحلقات الضرورية التي تثبت
وتغلق الدائرة الكونية الكبرى للمادة الكونية. ومن حيث التطور التدريجي، فإن هذه اللحظة تمثل القمة أو الذروة في
الدائرة، يليها عودة المادة إلى أشكال أكثر بساطة كانت قد تجاوزتها سابقا: المستوى البيولوجي، المستوى
الكيميائي، الحالة السائلة المتوهجة أو المتقدة، الكتل السديمية للأجرام السماوية،
الغبار الكوني البارد غير المتمايز، السدم المتخلخلة، الضباب الغازي في الفضاء بين
المجرات، الحركة الميكانيكية البحتة للجسيمات الأولية، إلخ.
ويجب أن نذكر فورا نتيجة مهمة تنشأ
حتما من الاعتراف بهذا الشكل الأعلى من التطور. فبعد أن نعترف باستحالة وجود أشكال من التطور أعلى من الفكر أو من
الدماغ المفكر بوصفه شرطا نظريا ضروريا، فإننا نكون مضطرين أيضا إلى الاعتراف
بوجود حد أدنى، أي حد سفلي تصبح تحته استحالة وجود المادة نفسها.
ومن الواضح أننا ما زلنا بعيدين عن
اكتشاف هذا الحد علميا، لكن من الضروري افتراضه نظريا. فكما نفترض أنه لا يمكن وجود مادة أكثر تنظيما وتعقيدا من الدماغ
المفكر بسبب طبيعة الأشياء ذاتها، فإننا نعترف أيضا بوجود حد مقابل: حد للمادة
الأبسط تنظيما، أي أبسط شكل ممكن للحركة، وذلك بالنسبة إلى نقطة البداية في الدورة
الكونية. وإلا وقعنا في تناقض: فمن جهة نفترض وجود حد
أعلى لتنظيم المادة وأشكال حركتها، ومن جهة أخرى، عندما نتحدث عن تبسيط هذه
الأشكال المنظمة، لا نفترض أي حد بل نقع في لانهاية سيئة. وقد سمح إنجلز بإمكانية حالة
تختفي فيها كل الخصائص الخاصة للمادة، ولا يبقى سوى الخصائص التي تميزها بوصفها
مادة خالصة، مع افتراض أن مثل هذه الحالة تتحقق في "الكرة الغازية للسديم".
وفي هذه الحالة – بحسب إنجلز – فإن جميع المواد: "تنصهر في المادة الخالصة بوصفها كذلك، بحيث تعمل فقط كمادة، لا
وفق خصائصها الخاصة"[13].
ويجب أن نضيف هنا أن الفيزياء
المعاصرة، في محاولتها الكشف عن أبسط القوانين التي تربط المكان والحركة والزمن،
تصل إلى فكرة تكميم المكان والزمن. أي إلى فكرة: المكان الأولي، الزمن الأولي، الحركة الكمية، بوصفها حداً للانقسام،
بحيث لو تم تجاوزه لاختفت العلاقة الموضوعية بين الحركة والزمن والمكان. إن الجسيم الذي يحقق
بالفعل – وليس فقط بصورة مجردة – أنقى شكل من الحركة الميكانيكية هو جسيم مجرد من
أي خاصية أخرى غير الخاصية الميكانيكية. ويستوعب مصطلح الميكانيكي هنا لا بالمعنى النيوتوني الكلاسيكي، بل
بمعنى نظرية النسبية في شكلها العقلاني، أي في إطار المادية الجدلية[14].
ويجب أن يعترف بوجود مثل هذا
الجسيم، أي جسيم محروم من الخصائص: الكيميائية، الكهربائية أو غيرها من الخصائص المشابهة. ومن وجهة نظر فلسفية
ونظرية، لا يوجد في هذا شيء ميكانيكي اختزالي. بل إن هذا الاستنتاج ينتج تلقائيا من الاعتراف بوجود أعلى مستوى لتنظيم
المادة. فلا يمكن الاعتراف بوجود
الشكل الأعلى المطلق دون الاعتراف أيضاً بنقيضه: أي الشكل الأدنى المطلق، أبسط شكل للمادة وحركتها.
مع اختفاء الذرة تختفي الخصائص
الكيميائية، ومع اختفاء الإلكترون تختفي الخصائص الكهربائية للمادة. ومن الواضح أنه يوجد في
مكان ما حد لا يمكن تجاوزه دون انتهاك الخصائص الميكانيكية للمادة، أي العلاقة بين
الانتقال البسيط للجسيمات وبين الخصائص المكانية والزمانية للواقع الموضوعي.
وربما لا تتحقق هذه الحالة في "الكرة
الغازية للسديم" كما افترض إنجلز؛
فهذه الكرة الغازية قد تكون في الواقع مرحلة أكثر تعقيدا من التفاعل. وقد تتجسد هذه الحالة في: شكل حقل أو شكل حد أدنى
لارتباط المادة المنظمة أو شكل وجود مادي لا يمكن تبسيطه أكثر أو شكل لا تمايز
مطلق في حالتها. وهذا يشكل الشرط المسبق الثاني للفرضية.
أما الشرط الفلسفي والنظري الثالث
لهذه الفرضية فهو المبدأ الذي لا جدال فيه القائل : "كل ما يوجد يستحق أن يهلك". أي
أن كل شكل محدود من الوجود له بداية ونهاية. وينطبق هذا الشرط على: النظام الشمسي الحالي والإنسانية التي تعيش فيه.
ومن الواضح أنه في لحظة ما من
المستقبل البعيد المظلم ستختفي الإنسانية، وسيجرف التدفق الأبدي لحركة الكون كل
آثار الثقافة الإنسانية ويمحوها. وستتبعثر الأرض نفسها في غبار الفضاء الكوني، وتذوب في الدائرة الأبدية
الكبرى للمادة الكونية.
وقبل أن يحدث ذلك – وهو أفق بعيد إلى
درجة أنه يكاد يكون غير ذي أهمية بالنسبة لنا – ستمر ملايين السنين، وستعيش مئات
الآلاف من الأجيال على الأرض قبل أن تمضي إلى قبورها. لكن الزمن يسير بلا هوادة نحو اللحظة التي يتلاشى فيها العقل المفكر
على الأرض ليولد من جديد في مكان آخر من الكون الأبدي.
وهذا أمر لا جدال فيه من أي وجهة
نظر. أما فكرة أننا يجب أن نحزن
على ذلك فهي فكرة سخيفة بقدر الحزن على حقيقة أن: كل شيء في العالم مترابط، الكمية تتحول إلى كيفية وأنه لا يمكن أن يوجد
الفكر دون دماغ، إلخ.
إن هذا الواقع، إذا أخذناه على هذا
النحو، ليس أساسا لانفعال عاطفي، بل أساس للفهم.
ومع أن هذا الأمر من الناحية
العملية لا يثير فينا سوى لامبالاة كاملة – لأنه لا يمكن أن يؤثر بأي شكل في نشاط
الحياة البشرية (فالإنسان لا يتوقف عن العمل لمجرد أنه يعلم أنه سيموت يوما ما) –
فإن هذه المسألة من الناحية النظرية ليست خالية من الاهتمام.
إذ لا يمكن للمرء أن يغفل أن هذه
المشكلة تظهر دائما في الوعي المفكر.
وفي صيغتها الساذجة والميتافيزيقية
تُطرح هذه المسألة تحت عنوان: "غاية
الوجود الإنساني"، حيث تعرض هذه الغايات بوصفها أهدافا سامية يتجلى من خلالها
الروح المفكر في الكون، ومن أجلها تتحمل الإنسانية كل هذا الألم والمعاناة.
وكان الجواب دائما ذا طابع
إيديولوجي. سواء كان: تحقيق أسمى القيم
الأخلاقية أو تحقيق القانون الأخلاقي أو – بلغة هيجل – تحقيق
معرفة الروح المطلق لذاته.
أما المادية الجدلية فقد أخضعت هذه
المسألة لأول مرة لصياغة عقلانية، إذ ترفض تماما فكرة وجود أي هدف للكون نفسه. وتحل مشكلة "الغاية"
عبر مفهوم: التفاعل الكوني الشامل.
فالإنسانية تربط تفكيرها بهذا
التفاعل الكوني، وتنشأ وتتطور ثم تختفي في داخله. وهكذا فإن فكرة "الغاية العليا لوجود الإنسان" تستوعَب
عقلانيا في فهم ضرورة نشأته وتطوره وموته داخل شبكة الترابط الكوني لجميع أشكال
حركة المادة.
إن نشأة الإنسانية وتطورها وموتها
تقوم موضوعيا على هذا النظام اللامتناهي من التفاعل (وفي فهم هذا النظام ينبغي
البحث عن معنى ودور الإنسانية في الكون.) وهذا التفاعل يقدم الحل لهذه المسألة
التي، في صياغتها المثالية، تظهر كمسألة: الغاية أو الهدف الأسمى لوجود الإنسان.
إن النشأة التاريخية للإنسانية قد
فسرتها العلوم تفسيراً عقلانياً مادياً كاملاً: التطور البيولوجي لنوع معين من القردة والعمل بوصفه شكلاً من أشكال
التفاعل الاجتماعي بين الكائن الحي وبيئته بوصفه عملية انبثاق الإنسان من ذاته، أي
عملية تطور ذاتي. وكل ذلك ينعكس في الوعي الإيديولوجي على شكل “غايات” كامنة في
الإنسانية.
لقد قدّمت تعاليم ماركس وإنجلز، أي المادية التاريخية، تفسيرا
عقلانيا كاملا لهذا التطور الذاتي للإنسان، وقضت نهائيا على آخر ملجأ للمثالية. فقد ظهرت التاريخية
الإنسانية بوصفها: عملية ضرورية للتطور الذاتي، حركة تنبع من تناقضات داخلية، ولا تحتاج
إلى أي تعال أو غاية متعالية لتفسيرها.
ومن هذا المنظور، ينبغي محاولة رسم
آفاق المستقبل بشكل أكثر تحديدا. إن فناء الإنسانية، مع الأرض، في وقت ما هو أمر
لا جدال فيه.
لكن السؤال هو: كيف سيحدث ذلك؟ وما هي
الشروط التي تجعل نهاية الإنسانية ضرورية مثل نشأتها داخل التفاعل الكوني؟
وها هنا يطرح سؤال: هل يمكن تقديم إجابات عقلانية على هذه المسألة؟ أم أنها مجرد خيال
شعري؟
من أجل هذه المهمة، سنحاول في
البداية تحديد وتلخيص جميع الشروط النظرية التي لا جدال فيها، لنرى ما إذا كانت
كافية لإيجاد حل يكون، على الأقل، أكثر تحديدا بقليل من الفكرة العامة القائلة بأن
نهاية الإنسانية أمر لا مفر منه بطريقة أو بأخرى.
إن الجواب، بطبيعة الحال، يمكن العثور
عليه عبر تحليل أكثر تحديدا لهذا التفاعل الكوني الشامل الذي تتجلى فيه تاريخية
الإنسانية، والذي يحدد في النهاية الآفاق القريبة أو البعيدة لكل ما هو موجود.
ومن هنا، يرتبط مصير الإنسانية، أولا وقبل كل شيء، ارتباطا وثيقا بـالمصير
المستقبلي للأرض وبصورة أوسع، بمصير النظام الشمسي. وهذا هو، إن صح التعبير،
الرابط الأكثر مباشرة ضمن التفاعل الكوني الذي يحدد بشكل مباشر النهاية الحتمية
للإنسانية.
كما أن معظم الفرضيات النظرية حول
نهاية الوجود الإنساني تعتمد أيضا على فكرة أنه، في لحظة ما، في ظلام المستقبل
البعيد: ستبرد الشمس تدريجيا وستنخفض
احتياطيات الحرارة على الكوكب وستكون الإنسانية قد دخلت بالفعل في طريق الانحلال.
ولا تزال هذه الفكرة حتى الآن هي الأكثر قابلية
للتصور. أما فكرة نهاية الإنسانية
نتيجة حادث مأساوي عرضي (كاصطدام أجرام سماوية مثلا)، فلا تستحق أن تتخذ أساسا للفهم
النظري، لأنه رغم عدم إمكانية استبعاد مثل هذا الحادث، إلا أنه لا يمكن اعتماده
قاعدة تفسيرية. فمن العبث أن نفترض أن: نشأة الإنسانية قائمة على ضرورة حتمية صارمة بينما تكون نهايتها مرتبطة
فقط بالصدفة. إن الجدل حاضر هنا وهناك، سواء في البداية أو في النهاية. بل إن الصدفة نفسها يجب أن
تُفهم، في حالة نهاية الإنسانية، بوصفها: تعبيرا عن عملية ضرورية. أما فكرة التصادم العرضي الخالص، فلا تحتوي على أي جدل، لأن اصطدام
الأجرام السماوية ليس سوى واحد من الأحداث الممكنة عرضيا[15]. إن ما نحتاجه هنا هو: صدفة ليست صدفة محضة. ومن هذا المنظور، تدخل
الضرورة عندما نقول إن النهاية ستحدث — حتى لو لم يقع ذلك الحدث المحدد بعينه — من
خلال أي حدث عرضي.
وقد قبل إنجلز، كما هو معروف،
فرضية التبريد التدريجي للشمس والأرض بوصفها الأفق الجدلي الأساسي.
في هذا الوصف، يعرض التصور على
النحو التالي:
"لكن
سيأتي حتما وقت لن تعود فيه حرارة الشمس كافية لإذابة الجليد الذي يزحف من
القطبين؛ وعندما لن تجد البشرية، التي تتكدس أكثر فأكثر قرب خط الاستواء، حتى هناك
حرارة كافية للحياة؛ وعندما يختفي تدريجيا آخر أثر للحياة العضوية؛ وعندما تصبح
الأرض، كرة متجمدة منطفئة مثل القمر، تدور في ظلام دامس وفي مدار يضيق أكثر فأكثر
حول شمس منطفئة بدورها، إلى أن تسقط فيها في النهاية." (انجلز 1888).
ويبدو أن النظام الشمسي بأكمله
ينتظر هذا المصير، وأن الإنسانية (إذا نظرنا إليها بشكل مجرد) ينبغي أن تشارك هذا
المصير.
وهذه هي النتيجة الضرورية التي
تترتب على تصور موقع الإنسان داخل محيطه المباشر، أي داخل شبكة التفاعل الكوني
الشامل.
لكن هنا يبرز سؤال: ألا توجد عوامل ظرفية يمكن
أن تبطل هذه الإمكانية المجردة؟ ألم يتم صياغة هذه الرؤية بشكل مجرد أكثر مما
ينبغي؟ صحيح أن تبريد الشمس والكواكب أمر لا جدال فيه. لكن من المؤكد أن الإنسانية — ومع مرور الزمن سيزداد ذلك — لن تبقى
لعبة طيعة للظروف الخارجية. إن قدرتها تتزايد عاماً بعد عام. وستجد البشرية وسائل جديدة باستمرار لتحرير احتياطيات من: الحرارة، الحركة والطاقة المختزنة
في أشكال أخرى غير الإشعاع الشمسي المباشر.
وكلما تطورت الإنسانية، انكشفت لها
كنوز طاقية أعمق (كلما كانت أكثر خفاء وتراكما وتركيزا، كانت أكثر قوة)، وستتحول
هذه الكنوز إلى شروط لوجودها. فهل لا يبدو سخيفا تصور نهاية الإنسانية بسبب نقص الإشعاع الشمسي
المباشر؟ ألا يبدو هذا الطرح بالتالي مضحكا؟
إن الإنسانية تستخرج طاقة متزايدة
من البنى الداخلية للذرة (بل وتتجه نحو الجسيمات الأكثر أولية). وكلما تعمقت في
“أعماق” المادة، حررت طاقة أكبر، وأصبحت أكثر استقلالا عن الحرارة الشمسية "المتاحة".
ومع ذلك، يُفترض أنها ستهلك بسبب نقص هذه الحرارة نفسها؛ أي أنها، في ذروة قوتها،
ستتجمد كجرو صغير على كوكب متجمد!
ألم يلغي بالفعل تطور القدرة الإنتاجية
للإنسانية خطر الهلاك بسبب تجمد كوني، أي بسبب برودة الفضاء بين المجرات؟
على أي حال، فإن اتجاه تطور القوة
البشرية في السيطرة على البنى الداخلية للمادة، وعلى الطاقة الحركية الكامنة فيها،
يقف في تعارض مباشر مع الفرضية القائلة بزوال الإنسان بسبب نقص الطاقة أو الحركة
أو الحرارة.
إن اتجاه الطبيعة الخارجية هو
حرمان الإنسان من استخدام الحرارة “الجاهزة” (غير المنتجة من قبله) القادمة من
الشمس. لكن الإنسان يخلق بنفسه شروط
وجوده، و”الحرارة” التي يحصل عليها من أعماق المادة ليست استثناء من ذلك. فهذه أيضا شرط من شروط
الوجود الإنساني، وهو شرط تخلقه الإنسانية نفسها؛ ومن دون هذا الشرط، لا يمكن
لوجود الإنسان أن يتحقق في الطبيعة.
وعليه، فإن التصور الذي رسمه فريديريك إنجلز في القرن الماضي يبدو، في ضوء التطورات الحديثة للإنسانية، تصورا مجردا إلى
حد بعيد، وبالتالي غير صالح.
فمن العبث تماما أن نفترض أن
الإنسانية — التي تمتلك بالفعل مصادر طاقة نووية داخلية — ستترك عاجزة أمام البرد
بعد مليون سنة بسبب مجرد نقص في الحرارة.
صحيح أنها ستتلقى حرارة خارجية أقل
فأقل، لكنها، في المقابل، ستنتج بنفسها حرارة أكثر، من خلال استخراج الاحتياطيات
المركزة داخل المادة. وهذه الاحتياطيات — وهذا أمر غير قابل للجدل نظريا — لا نهائية تماما
في أدق مكونات المادة المنتشرة في الفضاء. فطاقة الشمس لا تضيع دون أثر، بل تتراكم وتتحول إلى أشكال أخرى، وكل ما
يتطلبه الأمر هو القدرة على استخراجها.
ولا شك أن الإنسانية — خاصة إذا
واجهت خطر الموت من البرد — ستكون قادرة على ذلك. بل إننا حتى الآن، رغم أن خطر تبريد الشمس لا يزال بعيدا عمليا، قد
أحرزنا تقدما ملحوظا في هذا الاتجاه. ويمكن بسهولة تخيل ما ستكون قادرة عليه الإنسانية خلال ملايين السنين
القادمة! ولهذا، يجدر أخذ هذا
العامل بعين الاعتبار للتخلي عن مثل هذه الفرضية[16].
من الواضح أن الإنسانية لن تختفي
وفق هذا الطرح الأولي الموصوف (لا بسبب البرد ولا بسبب نقص بسيط في الحرارة).
ينبغي رفض هذا الافتراض.
وحتى الآن، لقد قمنا بهدم الفرضية المعقولة
الوحيدة: أي التخمين القائم على فهم موقع الإنسان داخل نسيج الترابط الكوني
الشامل، لكننا لم نقدم بعد فرضية جديدة تحل محلها. وبالمثل، ينبغي التخلي عن فكرة
أن الإنسانية ستلقى نهايتها نتيجة انحطاط أو تراجع فسيولوجي. فالفسيولوجيا هي
نفسها جزء من الطبيعة، والإنسان يتجه نحو امتلاك قدرة متزايدة على التحكم في طبيعة
المادة التي تشكل موضوع نشاطه.
فمن خلال استخراج الطاقة المختزنة بين الجسيمات
الأولية، وتحويل شكل من أشكال الحركة إلى آخر بحرية، وتحويل عنصر كيميائي إلى عنصر
آخر، سواء كان أكثر تعقيدا أو أقل، وفي الوقت نفسه توجيه تطوره الفسيولوجي ذاته
وفق مسار قابل للحياة (من زاوية الشروط الجديدة)، تمتلك الإنسانية، بوضوح، كل
الإمكانات لتفادي مصير التجمد حتى الموت، أو موت “بارد” وجائع…
ويبدو أنها تمتلك القدرة على خلق (على الأقل في
جزء محدود من الفضاء) بيئة اصطناعية والحفاظ عليها، وصيانتها وإعادة إنتاجها، دون
الاعتماد على الطاقة الشمسية السخية. وقد أصبح هذا بالفعل اتجاها واضح المعالم في
تطور البشرية.
لكن ما لا تستطيع الإنسانية (أي
المادة المفكرة بوجه عام) تحمله، مهما بلغ مستوى سيطرتها على الطبيعة، هو الحالة المقابلة
لبرودة الفضاء بين المجري: أي الحالة التي تقود إليها تطورات العالم بنفس الحتمية،
وهي حالة “الشباب” المتقد والمتوهج للمادة الكونية، حالة الغاز الملتهب في السديم
الفتي، كنقطة انطلاق لدورة كونية جديدة.
هذه الحالة النارية والبخارية،
التي تتحول فيها جميع العناصر إلى دوامات هائجة، يستحيل فيها من حيث المبدأ الحفاظ
على أي حدود مصطنعة يمكن للإنسان أن يحتمي وراءها. فبدون "غلاف" متين
ومقاوم للحرارة يفصل بيئة اصطناعية عن محيطها، ويفصلنا عن هذا العالم "غير
المؤنسن"، الذي يغدو بوضوح الحد المطلق الذي بعده تصبح استمرارية وجود المادة
المفكرة مستحيلة. قد تتمكن الإنسانية من تفادي الموت على كوكب متجمد بالكامل، فهذا
افتراض ممكن من حيث المبدأ. لكن لا جهد يمكن أن ينقذها من الموت في إعصار "النار"
الذي سيعيد، في لحظة ما، جزيرتنا الكونية إلى شبابها البركاني.
وعليه، ينبغي على الأرجح اعتبار
هذه الحالة من الأبخرة المتوهجة حدا مطلقا، تمر به حتما كل منظومة كونية في مسار
دورتها الكبرى، لأن تبرد الفضاء الكوني لا يمكن اعتباره هذا الحد المطلق لوجود
المادة المفكرة. وهذا، بالطبع، لا يستبعد إطلاقا أن يكون التبرد في بعض الحالات
سببا مباشرا لموت الإنسانية، كما قد يحدث في اصطدام عرضي مأساوي بين الأجرام
السماوية.
إن الفناء، والتدمير، والنهاية،
واختفاء المادة المفكرة تبقى، في هذه الحالة أيضا، أمورا لا رجعة فيها. وتظل مبادئ
الجدل والمادية قائمة هنا بالكامل. غير أن الصورة الملموسة لهذه النهاية تبدو
مختلفة إلى حد كبير. وقبل كل شيء، فإن حدود وجود المادة المفكرة تمتد قليلا في الزمن.
فالنهاية الحتمية ستقع لاحقا من هذا المنظور (وإن كان هذا "اللاحق" يعني
في الحقيقة ملايين السنين)، وخلال هذه الفترة الإضافية ستتمكن الإنسانية، بلا شك،
من تعزيز سيطرتها على الطبيعة أكثر فأكثر، وبلوغ آفاق يستحيل اليوم تخيلها حتى
بأكثر الخيالات الشعرية جموحا[17].
لكن—وهذا أمر مركزي—توجد بالفعل
ضمن شروط حل هذه المسألة واقعة نظرية بالغة الأهمية، قد تمر دون انتباه إذا
افترضنا أن الإنسانية ستفنى من البرد على أرض متجمدة تدور حول شمس مغطاة بالجليد،
غير أننا نود وضعها في الصدارة. إنها مسألة الظروف التي تتحول فيها المادة الكونية،
وهي في طريقها إلى التجمد، بالضرورة إلى حالة سديم متوهج، متحولة إلى إعصار هائل
تبلغ حرارته ملايين الدرجات، وتجمع في مركزها كل الاحتياطات المشعة والمبعثرة من
الحركة، مانحة بذلك حياة جديدة للمادة الكونية في الفضاء، بعد أن لفظت أنفاسها في
صحراء ما يسمى بالموت الحراري.
إن أصل هذه الدورة الجديدة لتطور
المادة الكونية يكمن في النقطة التي تعود فيها المادة—بعد أن تكون قد تشتتت بفعل
إشعاع النجوم وحركتها الذاتية—لتتجمع من جديد في هيئة سديم دوار متوهج، مركزة في
مركزها كل الجسيمات والطاقة الحركية التي كانت قد تفرقت سابقا في الفضاء: وهنا
يتبين أن هذا يشكل الحد المطلق الذي تختفي فيه حتما كل الشروط التي يمكن في ظلها
أن يوجد الفكر.
إن نهاية المادة المفكرة تتزامن،
من حيث الزمن والظروف، مع بداية دورة جديدة لتطور المادة على النطاق الكوني، أي
عند النقطة التي يحدث فيها الانبعاث الناري لعوالم كانت في طور الموت.
هذه النقطة التي تكون فيها المادة
والحركة—وقد انفصلتا بفعل الإشعاع—قد عادتا إلى نوع من التمركز والتكاثف في شكل
كتل متوهجة وغازات وأبخرة إعصارية، هي النقطة التي يجب عندها أن تختفي المادة
المفكرة اختفاء حتميا مطلقا.
غير أن مسألة السيناريو الملموس
لنهاية الإنسانية، أي اختفاء المادة المفكرة، تُطرح أيضا بشكل ضروري ولا مفر منه
بالارتباط مع الشروط الطبيعية لتلك العملية التي تولد فيها العوالم من جديد بعد أن
تموت "موتا حراريا".
بعبارة أخرى، فإن شروط الانبعاث
الناري للأنظمة الكونية هي في الوقت نفسه الشروط التي يصبح فيها موت المادة
المفكرة—أي الفكر—أمرا لا مفر منه على الإطلاق. فالمسألتان تندمجان في مسألة واحدة.
والأكثر إثارة للاهتمام أن كلا من
هاتين العمليتين، إذا نظر إليهما على حدة وبشكل مجرد، لا تزالان دون حل علمي،
وربما—وهنا تقوم فرضيتنا—تكونان غير قابلتين للحل من حيث المبدأ إذا عولجتا بشكل
منفصل.
لقد توصلنا إلى أن مسألة موت
الدماغ المفكر لا يمكن حلها خارج الشروط التي يخلقها تطور الأنظمة الكونية التي
تجري داخلها تاريخية تطور الفكر، وخلصنا إلى أن الحتمية المطلقة لهذه النهاية
تتطابق مع بداية الانبعاث الناري الجديد للعوالم التي فنيت بفعل "الموت
الحراري".
علينا الآن أن ندرس المسألة من
منظور آخر: من زاوية المصائر الخاصة للأنظمة الكونية. أليس هذا المشكل غير قابل
للحل ما لم نبحث في تلك العوامل التي أدخلها مسار العملية الشاملة للفكر، أي تلك
الشروط التي أنشئت بمشاركته الضرورية؟
بعبارة أخرى، أليس من الواضح أن
هذا المسار وذاك المسار الآخر يستحيل فهمهما دون النظر إلى تفاعلهما المتبادل؟
أليس من الصحيح أن العملية التي تبدأ بالانبعاث الناري للعوالم وتنتهي بشروط "الموت
الحراري "، لا
يمكن فهمها دون أخذ الدور الفعال للفكر بعين الاعتبار داخل الدائرة الكونية
الكبرى، تماما كما أن موت الفكر لا يمكن فهمه خارج ارتباطه بهذه العملية الكونية؟
علينا أن نحلل شروط هذه المهمة
النظرية بشكل أدق، ولكن هذه المرة انطلاقاً لا من مشكلات الفكر، بل من الشروط
الكونية ذاتها، أي من القوانين الخالصة والمحايثة للتطور الذاتي وموت الأنظمة
الكونية، تلك الأنظمة التي يولد داخلها، ويزدهر، ثم يتلاشى أرقى نتاج للكون: الفكر.
ونحن نضع أيضا في أساس فرضيتنا
فكرة أن مصير الفكر مشروط بمصائر عمليات كونية أوسع.
لكننا نواجه هنا تحديدا مسألة لم تحل
حتى الآن (وربما لا يمكن حلها من هذا المنظور الذي اعتمدناه حتى الآن). إنها مسألة
ما يسمى بالموت الحراري للكون، ويمكن التعبير عنها بإيجاز كما يلي: إن جميع
الأجرام السماوية والأنظمة التي تعرفها العلوم تفقد تدريجيا، عبر الإشعاع،
احتياطاتها من الطاقة الداخلية، وتفقدها بشكل لا رجعة فيه، فتتبرد تدريجيا في
محاولة عبثية لتسخين ولو جزء ضئيل جدا من محيطها.
وفي هذا المسار التدريجي، تتشتت
المادة المتحركة للأجرام الساخنة في الفضاء بين المجري، متحولة إلى أبخرة باردة من
الجليد، تكون حرارتها قريبة من الصفر المطلق ولا تختلف عنه إلا بمقدار ضئيل جدا
آخذ في التلاشي.
ويمكن، في هذه المرحلة، اعتبار
العملية المرتبطة بإشعاع الحرارة في الفضاء الكوني عملية لا رجعة فيها تماما، بحيث
يبدو أن هناك اتجاها نحو أن تتوزع المادة الكونية كلها، مع حركتها الداخلية، توزيعا
متساويا في الفضاء بين المجري، وأن الكون بأسره يتجه تدريجيا نحو حالة "موت
حراري"، أي نحو توازن مستقر يستبعد أي إمكانية للعودة إلى حالة متمايزة.
فمع نهاية القرن الماضي، توصل رودلف
كلاوززيوس[18]
إلى حساب مفاده أن 453 جزءا من أصل 454 من الطاقة الحركية الفعالة للمادة الكونية
قد فقدت بالفعل. أما الجزء المتبقي من الطاقة الفعالة فقد تحول، حسب حساباته، إلى
حالة عالية التركز، إلى تلك الحالة "المتطابقة مع ذاتها" التي تُسمّى "الموت
الحراري".
من هذا المنظور الفلسفي والنظري،
فإن هذا — كما بين بالفعل إنجلز — يُعد ضربا من العبث، لأنه يفترض الحديث عن "أصل
العالم". غير أن العملية المعاكسة لم تُكشف بعد ولم تفسر. هناك شيء واحد فقط
واضح: لو لم تكن هذه العملية قد حدثت، في مكان ما وبطريقة ما،لما كان الكون بأسره
موجودا، وبفعل لانهائية الزمن لكان قد تحول منذ زمن بعيد إلى سديم غير متمايز،
تكون فيه درجة الحرارة متساوية تماما في جميع أجزائه، وتكون الحركة موزعة بالتساوي
بين جميع جسيمات المادة، بحيث تصبح هذه الجسيمات شبه ساكنة ولا تتفاعل مع جيرانها
إلا تفاعلا ميكانيكيا بحتا...
إننا لا نعرف سوى العملية التي
تتجه تحديدا نحو هذه الحالة غير الحية من المادة الكونية. أما النزعة المعاكسة
التي تناقض هذه العملية الحالية — أي العملية التي يتم عبرها إعادة توزيع الحركة
في الكون بصورة عكسية — فهي مجهولة بالنسبة لنا، رغم أنه من الواضح نظريا أنها
موجودة، ولا يمكننا الشك في وجودها. ويمكن عرض المسألة، في جوهرها، على النحو
التالي:
باستثناء جزء ضئيل للغاية، فإن
حرارة الشموس اللامتناهية في كوننا "الجزيري" تتبدد في الفضاء، ولا تنجح
حتى في رفع درجة حرارة الفضاء الكوني بمقدار جزء من مليون من الدرجة المئوية. فما
الذي يحدث لهذه الكمية الهائلة من الحرارة؟ هل تتبدد إلى الأبد في محاولة عبثية
لتسخين الفضاء الكوني؟ هل تختفي فعليا ولا يبقى منها سوى وجود "نظري"،
يتمثل فقط في أن الفضاء الكوني قد ازداد دفئا بجزء عشري ضئيل للغاية؟
من الواضح نظريا أن الأمر ليس
كذلك، بل إن المادة التي تبرد بشكل متساو في الفضاء بين المجري — والتي تتحول
إليها الأجرام السماوية تدريجيا — تعود، على نحو معاكس، لتتركز في سحب غازية شديدة
التوهج، مولدة نجوما جديدة، وعوالم جديدة، وأنظمة كوكبية جديدة. لكن كيفية حدوث
ذلك بصورة ملموسة ومحددة لا تزال لغزا مفتوحا[19].
إنها مسألة نظرية، كما بين إنجلز ،
لا يمكن حلها إلا إذا صيغت بشكل واضح، وإذا كانت طريقة طرحها تفترض رؤية مادية
جدلية للأشياء. ومن منظور المادية الجدلية، يجب — ولا يمكن — طرح المسألة إلا على
النحو التالي:
"عندما
نبين كيف تشع الحرارة إلى الفضاء الكوني، ينبغي أن نبين أيضا كيف تصبح هذه الحرارة
قابلة للاستخدام من جديد. إن نظرية تحول الحركة تطرح هذه المسألة بصورة قاطعة، ولا
يمكن تجاوزها بتأجيل الجواب أو التهرب منه. ومع ذلك، فمن الواضح بذاته أن صياغة
السؤال تتضمن في الوقت نفسه شروط حله."[20]
لقد صغنا هذا الشرط سابقا: يجب أن يقوم
الحل على شروط نظرية لا جدال فيها، مفادها أن العملية "العكسية" (أي
عملية تركيز الحركة المتبددة في سحب غازية متوهجة) تحدث، بطريقة ما، وفي مكان ما،
وبشكل دائم داخل نسيج الكون، وأن تفهم بوصفها شرطا داخليا لوجوده. وتتمثل المهمة
في تحديد هذه العملية واكتشافها.
"ولا
غرابة — كما يضيف إنجلز — في أنه رغم عدم حل هذه المسألة، فقد يمر وقت طويل قبل أن
نصل إلى حل بوسائلنا المتواضعة. لكنها ستحل. وهذا أمر مؤكد بقدر تأكدنا من أنه لا
وجود لمعجزات في الطبيعة، وأن الحرارة الأصلية للسديم لا تأتي بمعجزة من خارج
الكون"[21].
ومن الجدير بالملاحظة أنه حتى
اليوم، في منتصف القرن العشرين، لم تحل هذه المسألة بعد، كما لم تحل في نهاية
القرن التاسع عشر.
إن الادعاء بأن الكمية العامة
للحركة لا نهائية،
أي لا تنضب، لا يفيد أيضا في تجاوز صعوباتنا عند دراسة كل حالة على حدة. فباتباع
هذا المسار، لن نصل إلى بعث العوالم المحتضرة إلا في الحالات التي ذكرت سابقا والمتعلقة
بفقدان الطاقة. لن نصل إلى الدائرة الكبرى، ولن نصل إليها ما لم يكشف عن الإمكان
لإعادة استخدام الحرارة المشعة.
وبالتالي، فإن هذه المسألة لا يجب
أن تنظر من منظور حالات فردية، بل يجب حلها بالنسبة إلى الدائرة الكبرى الكونية للمادة الكونية. هذه الدائرة الكبرى نفسها، ضمن نفسها،
وضمن دوراتها الصفاتية والضرورية، يجب بالضرورة أن تؤدي إلى بعث العوالم المحتضرة
في شكل سحابة غازية متوهجة.
لذلك، يجب أن نسعى لحل اللغز ليس
فقط بطريقة ملموسة وفلكية، بل أيضا بطريقة فلسفية عامة. بمعنى آخر، يجب أن تثبت
إمكانية وضرورة هذا البعث ويبحث عنها في الداخل، أي في الشكل الصفاتي والضروري
لوجود المادة الكونية، وليس خارجه، وليس في أحداث عرضية تخص حالات فردية فقط. لأن في
هذه الحالات المنفصلة قد تحل المشكلة جزئيا، لكنها ستظل بلا حل من منظور عام
وشامل.
لذلك، يمكن تلخيص المشكلة، من
منظور عام، بهذه الطريقة: تحتوي الفيزياء وعلم الفلك حتى الآن على بيانات تتعلق
بعملية تشتت المادة وحركة الأجرام السماوية، وهي عملية تتجه نحو الحالة المعروفة
بـ الموت الحراري. إن مفهوم الموت الحراري ليس سوى تعبير نظري عن اتجاه العملية
المرتبطة بإشعاع الحرارة والضوء في الفضاء بين المجرات.
لكن بحوث العلوم الطبيعية لم تثبت
بعد العملية العكسية، أي عملية بعث العوالم المحتضرة، عملية تحويل بخار الجليد إلى
سحب غازية متوهجة.
إن الخلاصة النظرية التي لا جدال فيها هي أن مثل هذه
العملية تحدث باستمرار، من خلال شكل ذاتي وعفوي متأصل في طبيعة المادة المتحركة
نفسها. بدون هذه العملية، لا يمكن للكون الحالي أن يحفظ ويعاد إنتاجه بشكل طبيعي وأبدي.
فهي تمثل ضرورة مطلقة، مضمنة بطبيعتها في حركة المادة الكونية، وشرطا لوجود الكون.
بدون هذه العملية، سيصبح هناك ما يسمى
بـ "الله" أو "أصل الكون" أو "الدافع الأول" الذي
يوجه المادة من حالة شبه سكون للموت الحراري، وكل هذا هراء شيطاني وغامض.
بعيدا عن ذلك، فإن فكرة أن "إنتروبيا
العالم لا يمكن إلغاؤها طبيعيا، بل يمكن بالعكس خلقها" (أي فكرة الموت
الحراري معبر عنها بالمصطلحات الحرارية الديناميكية) تساوي نفي القانون الكوني
للحفاظ على الطاقة وتحويلها. هذه الفكرة تفترض، كما أظهر إنجلز، أن الطاقة (الحركة
النشطة) تتشتت إذا لم تكن كمية بل نوعية.
إن قانون حفظ الطاقة وتحولها يفترض
أن الطاقة لا يمكن أن تحفظ إلا عبر تحولاتها النوعية، وأن هذا المسار لا يمكن أن
يكون عملية أحادية الاتجاه ولا رجعة فيها في أي من حلقاته. فجميع أشكال حركة
المادة تتحول، بطريقة ما، بعضها إلى بعض، وهي قابلة للعكس بشكل متبادل. ولو لم يكن
الأمر كذلك، لما كان الكون الموجود اليوم قادرا على الوجود دون تدخل دائم لقوى
خارقة للطبيعة، ولتحول قانون حفظ المادة والحركة إلى مجرد خيال.
وعليه، فإن المشكلة برمتها تتمثل
في تفسير وإظهار الطريق الذي يمكن من خلاله، بشكل طبيعي، إعادة استخدام الحرارة
المنبعثة إلى الفضاء الكوني؛ أين وكيف تتراكم هذه الإشعاعات المتبددة من جديد،
وبأي أشكال يمكن أن تتحول إلى تكتلات شديدة السخونة والكثافة، إلى جزر من الغاز
المتوهج تجذب نحو مركزها كل المادة "الساكنة" والمتناثرة في محيطها،
وتبني من ذاتها نوى لنجوم وشموس وأنظمة كوكبية مستقبلية.
وهنا نسمح لأنفسنا بطرح فرضيتنا
حول “أين” و”كيف” تجري هذه العملية التي تعيد المادة الكونية بانتظام من حالة "الموت
الحراري" إلى حالة السحب الغازية المتوهجة، وهي عملية تتحقق بضرورة كامنة في
طبيعة المادة المتحركة ذاتها. وتتمثل هذه الفرضية في الآتي:
لماذا لا نفترض أن هذه العملية
العكسية تحدث بمشاركة المادة المفكرة، أي الروح المفكرة (بوصفها أحد صفات المادة
الكونية)، وأنه بدون إسهامها، وبدون مساعدتها، يكون هذا التحول مستحيلا وغير قابل
للتصور؟
إن هذه الفرضية لا تمس ولا تقوض،
حتى بأدنى درجة، أي مبدأ من مبادئ المادية أو المادية الجدلية[22].
في الواقع، يظل الفكر — أو الروح
المفكرة — هو أعلى نتاج لتطور المادة، وهو نتاجها الضروري، وأحد خاصياتها. كما أن
تطور المادة المفكرة في الدماغ يبقى مندمجا في سلسلة التفاعل المادي الكوني،
ومحددا بهذا التفاعل العام في كليته.
وفقا لهذه الفرضية، تظل المادة
(بوصفها جوهرا) هي الأولية بحسب طبيعة الأشياء. والعمليات الضرورية لتطورها تنتج،
عند مستوى معين، الدماغ المفكر بوصفه خاصية.
إن المادة المفكرة في الدماغ —
باعتبارها الشكل الأعلى لحركة المادة الكونية — لا تنتج أي شيء فوق طبيعي. وعلى
العكس، فإن موتها يظهر كتحول بسيط إلى أشكال أخرى أكثر بدائية من الحركة؛ أي أن
موتها يتمثل في توليد أشكال جديدة من حركة المادة.
أما الجديد الوحيد الذي تقودنا
إليه فرضيتنا، فيتمثل في أن موت المادة المفكرة مرتبط بالضرورة بعملية تحول المادة
المتجمدة في الفضاء بين المجرات إلى سحابة غازية متوهجة، وأن هذه المادة المفكرة
تمثل عاملا ضروريا في هذه العملية.
ولا يستعمل في صياغة هذه الفرضية
أي شيء مناهض للمادية، ولا حتى خارج عنها. فالفكر نفسه عملية طبيعية، ولا شيء يثير
الدهشة في كونه يحدث جنبا إلى جنب مع عمليات طبيعية أخرى، ويؤثر فيها تأثيرا فعالا.
وبالفعل، فإن المادية الجدلية
والتاريخية لا تنكر بأي حال من الأحوال التأثير العكسي للفكر على العمليات
المادية. وما نعرضه هنا ليس سوى إحدى الصور الملموسة لهذا التأثير العكسي الفعال،
لا أكثر.
وبذلك، فإن هذه الفرضية لا تمس
مبادئ الجدل والمادية، بل على العكس، تتخذها أساساً لها.
وعلاوة على ذلك، فإن جملة من المسلمات
الفلسفية والنظرية للمادية الجدلية تكتسب، في ظل هذه الشروط، شكلاً أكثر تجسيدا
ووضوحا، ناهيك عن أن مسألة "أنثروبي العالم" تعتبر، في جوهرها، محلولة[23].
في الواقع، إذا كانت المادة المفكرة
في الدماغ هي نفسها مادة، فإن الفكر (إذا لم يؤخذ في معناه المعرفي الضيق، بل من
حيث مكانه ووظيفته بين سائر أشكال حركة وتطور المادة) هو أيضا شكل من أشكال حركة
المادة، بل هو شكلها الأعلى. فالحركة ليست "مجرد انتقال مكاني؛ بل في
المستويات الأعلى من الميكانيكا هي أيضا تغير في الكيفية"[24].
وعليه، فلا يوجد ما يخرج عن حدود
المادية في اعتبار الفكر — من منظور العملية الكونية الشاملة للتحولات الكمية والنوعية
بين أشكال الحركة — حلقة من حلقات الدائرة الكونية الكبرى للمادة، وشكلا من
الأشكال التي تتحول إليها الأشكال الأخرى، والتي تتحول هي بدورها إلى غيرها وتسهم
في هذا التحول المتبادل.
وفي هذه الظروف، وبما أن المادة
المفكرة في الدماغ هي أعلى نتاج للتطور الكوني، فمن المعقول أن نفترض أنها تحتل
موقعا خاصا وتلعب دورا خاصا في مسار هذه الدائرة الكونية الكبرى، وهو دور لا
تستطيع الأشكال الأقل تعقيدا وتنظيما من الحركة أن تؤديه. وهذا الدور الجوهري،
المرتبط بمكانتها كأعلى شكل من أشكال الحركة، هو ما تحاول فرضيتنا رسم معالمه.
وفي الواقع، يمكن تصوير هذا الدور
على النحو التالي: إن الإنسانية (أو أي شكل آخر من الكائنات المفكرة)، عند
مرحلة متقدمة جداً من تطورها — حين تبدأ المادة في نطاق كوني معين بالتبرد وتقترب
من حالة ما يسمى الموت الحراري — فإنها، عند هذه النقطة الحاسمة، قد تعمل (بطريقة
لا نعرفها بعد) على إطلاق العملية العكسية، أي العملية التي تحول العوالم المتجمدة
والمحتضرة إلى إعصار متوهج من السحب الغازية الجديدة.
وفي هذه العملية، يضحي الفكر
بنفسه، ولا يستطيع الحفاظ على وجوده. غير أن
هذه التضحية تتم بوصفها واجبا تجاه الطبيعة. فالإنسان، بوصفه روحا مفكرة، يرد دينه
القديم إلى الطبيعة: فكما أن الطبيعة أنجبت الفكر في مرحلة من مراحلها، فإن الفكر،
على حساب وجوده، يعيد إلى الطبيعة المحتضرة شبابها المتوهج، ويطلق دورة جديدة من
التطور الكوني، قد تفضي مرة أخرى — في زمان ومكان آخرين — إلى نشوء فكر جديد.
ومن هذا المنظور نفهم الفكر كـخاصية
للمادة في معناها الفردي، لا مجرد نمط. لكن يجب أن نؤكد، في المقابل، أنه لا يمكن
اعتباره خاصية كونية شاملة.
فمفهوم الخاصية يتضمن أن الشكل المعني
من حركة المادة يمثل نتاجا ضروريا مطلقا، وبالتالي شرطا لا يمكن زواله لوجودها
اللامتناهي.
بعبارة أخرى، فإن ما يميز الفكر
بوصفه خاصية تفترض
أنه — باعتباره الشكل الأعلى للحركة — يمثل حلقة ضرورية مطلقة تمر عبرها المادة
باستمرار، مرة بعد مرة، في كل واحدة من دوراتها المحدودة داخل دائرتها الكونية
العظمى، تلك الدائرة التي تعيد إنتاج نفسها على نحو دائم بضرورة صارمة كامنة في طبيعتها.
وبالتالي، فإن ظهور الروح المفكرة
في عمل هذه الدائرة الكونية الكبرى ليس أمرا عرضيا يمكن أن لا يحدث، بل هو شرط
داخلي لتمام تحققها. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما كنا نتحدث عن "خاصية"(attribut)، بل عن مجرد "نمط" (mode).
فإذا افترضنا أن الروح المفكرة
تظهر في مكان ما من المادة الكونية فقط لتختفي فجأة دون أثر، كوميض عابر على كوكب
بارد، تاركة وراءها بقايا ثقافية تتبدد سريعا في تيار الحركة الكونية، فإننا نكون
أمام تصور غريب جدا لمفهوم "الخاصية".
في هذه الحالة، يصبح الفكر أشبه
بعفن يظهر على كوكب يبرد، أو كمرض شيخوخي يصيب المادة، لا كأسمى زهرة للطبيعة ولا
كأعلى نتاج للتطور الكوني.
وهكذا، حتى لو وصفنا الفكر بأنه "أسمى
ازدهار للطبيعة"، فإن هذه الزهرة ستكون عقيمة، جميلة لكنها بلا ثمر، تزهر في
هامش الكون ثم تختفي تحت عاصفة برد أو نار كونية. وسيجري تطور المادة الكونية هنا
بمعزل تام عن الفكر، دون أي تفاعل معه، وكأن ظهوره لم يكن له أي أثر في مصير الكون.
في هذا التصور، يصبح الفكر مجرد
حادثة عقيمة، كان يمكن ألا تحدث دون أن يؤثر ذلك في شيء. لكن من الصعب قبول أن
يكون هذا هو موقع الفكر داخل نظام حركة المادة الكونية. فالشكل الأعلى للحركة لا
يمكن أن يكون أكثر أشكالها عقما ولا جدوى.
بل الأجدر أن نفترض أن المادة
المفكرة، بوصفها الشكل الأعلى نوعيا لحركة المادة، تلعب دورا بالغ الأهمية في مسار
الدائرة الكونية الكبرى، دورا يتناسب مع تعقيدها ومكانتها.
فلماذا لا نفترض أن الفكر هو الشكل
الأعلى الذي يتم فيه تراكم الطاقة المنبعثة من النجوم واستخدامها استخداما منتجا؟
أي أنه الحلقة الأخيرة الضرورية التي تجعل من الممكن وجود دائرة كونية حقيقية، لا
مجرد عملية أحادية الاتجاه لتبدد المادة والطاقة في الفضاء.
ولماذا لا نفترض أن المادة، في
تطورها، تخلق — عبر الدماغ المفكر — الشروط التي تجعل الطاقة الشمسية لا تضيع عبثا
في تسخين الفضاء، بل تتجمع في شكل أعلى نوعيا، ثم تستخدم كـ "مفجر" أو "محفز"
لإطلاق عملية البعث العكسي للعوالم المحتضرة، في شكل سحب غازية متوهجة؟
في الواقع، هذه الصيغة الأعلى نوعيا
للحركة، المتراكمة في شكل ثقافة مادية، وفي شكل سيطرة الكائنات المفكرة على المادة
الميتة، وفي شكل الفكر ومنتجاته — هذه الصيغة الأعلى نوعيا من الحركة — تتحول إلى
جزء ضئيل جدا من الحرارة التي تشعها الشموس في الفضاء الكوني.
غير أن ضآلة هذه الحصة من حيث الكم
تعوض بالكامل بما تختزنه من حيث الكيف؛ بحيث إن الطبيعة نفسها (من دون وساطة
الفكر) لا تستطيع تحويل هذه الكتلة المبددة والمشعة بلا جدوى إلى شكل أعلى من
الوجود.
لقد أصبحت الإنسانية بالفعل قادرة
على تحرير وفصل تلك الاحتياطات من الحركة التي كانت، لولا معرفتها، ستبقى كامنة
وميتة داخل البنى النووية. ولذلك، فإن افتراض أن مستقبل الإنسانية قد يتمكن من
تحرير مقدار من الطاقة — في حالته الحدية — يكفي لتحويل المادة التي تبرد في
“جزيرتنا الكونية” إلى محيط من الأبخرة المتوهجة، ليس في ذلك شيء مدهش أو صوفي.
إن الثقافة الروحية والمادية
للكائنات المفكرة نادرا ما تظهر في الطبيعة، وتتطلب شروطا استثنائية للغاية
لظهورها. لكنها عندما تظهر، تثبت أنها تلك الصيغة من الحركة التي يتم من خلالها
تراكم مركز للحرارة التي تشعها الشموس (وهي حرارة تتبدد عبر قنوات أخرى).
فقط بظهور الفكر في الطبيعة يمكن استخدام
هذه الطاقة كوسيلة، كطريقة لإعادة إحياء المناطق المتجمدة من الكون الكبير إحياء
ناريا[25].
وبشكل ملموس، يمكن تصور الأمر على
النحو التالي:
في نقطة معينة من تطورها الأقصى،
تقوم الكائنات المفكرة — وهي تؤدي واجبها الكوني وتضحي بنفسها — بإحداث كارثة
كونية واعية، تطلق عملية معاكسة لـ"الموت الحراري" للمادة الكونية. أي أنها تطلق عملية تؤدي
إلى بعث ناري للعوالم المحتضرة عبر سحابة كونية من الغازات والأبخرة المتوهجة.
وبعبارة أبسط، يصبح الفكر حلقة
وسيطة ضرورية، بفضلها يصبح "تجديد شباب" المادة الكونية ممكنا.
إنه يتحول إلى "السبب الفعال"
المباشر الذي يطلق احتياطات لا نهائية من الحركة المترابطة، على نحو يشبه انطلاق
تفاعل متسلسل (سلسلة تفاعلات)، عبر تدمير كمية صغيرة من مادة مشعة.
وفي هذه الحالة، يبدو أن العملية
نفسها ستتخذ أيضا شكل "سلسلة"، أي تفاعل ذاتي التكاثر في شكل حلزوني
(لولبي)[26]؛ تفاعل يخلق، خلال مجراه،
الشروط لاستمراره على نطاق يتوسع باستمرار.
لكن في هذه الحالة، لا ينتشر
التفاعل عبر احتياطات مادة مشعة مصطنعة، بل عبر احتياطات الحركة المتراكمة طبيعيا
في الكون، أي تلك المرتبطة بحالة "الموت الحراري".
وبعبارة بسيطة، يتجسد هذا الفعل في
شكل انفجار كوني هائل متسلسل، حيث تتخذ مادته (أي الكتلة المنفجرة) شكل مجموع
البنى الأولية، التي تتشتت عبر الإشعاع في كامل الفضاء الكوني.
ومن منظور الفيزياء المعاصرة، لا
يبدو هذا الأمر مستحيلا على الإطلاق.
ومن الواضح أن كلما كانت البنية التي
يتم تدميرها أصغر، كانت كمية الطاقة الداخلية التي تتحرر أكبر.
فاحتراق البنى الكيميائية يعطي
طاقة صغيرة نسبيا، بينما يؤدي تدمير النواة الذرية إلى تحرير طاقة أكبر بكثير.
وكلما كانت البنية أبسط، زادت
الطاقة الممكن استخراجها منها، مما يعني أن البنى الأكثر بساطة هي الأكثر تماسكا،
والأصعب تدميرا، لكنها تعطي أكبر طاقة إذا ما أطلقت عملية تفاعل متسلسل فيها.
إذا رسمنا أفق تطور العلم
والتكنولوجيا في المستقبل، فإن الاتجاه واضح: تتحرك الإنسانية نحو تدمير متسلسل
(سلسلة تفاعلات) لبنى المادة التي تصبح أكثر فأكثر بساطة، وفي الوقت نفسه أكثر
دواما، محررة في
هذه العملية كميات متزايدة من الطاقة المرتبطة بهذه البنى.
ومهما كانت الخسارة في الطاقة
اللازمة لتدمير الجسيم الأول — أي لبدء هذا التفاعل المتسلسل — فإن هذه الخسارة لا
تُقارن إطلاقا بكمية الحركة (الطاقة) الكلية التي تستخرج أثناء سير التفاعل نفسه.
والتوقع النظري هو التالي:
إن وحدة بنيوية صغيرة جدا من
المادة يمكن أن تطلق، عند تفككها، كمية من الطاقة تميل إلى اللانهاية تناسبيا، وهي
كمية كافية لتدمير كتلة هائلة من المادة المتجمدة وتحويلها إلى أبخرة متوهجة.
وهكذا فإن الصياغة القديمة لقانون
حفظ المادة والحركة كما طرحها غوتفريد لايبنتس تجد تأكيدها في ضوء جديد: فلو تم
تدمير ذرة صغيرة جدا، فإن الكون كله سينهار.
وبالطبع، لا يمكن للكون اللامتناهي
أن يُدمر فعلا بهذا الفعل، لكن بما أن البنية المدمرة تقترب من حد لا نهائي في
الصغر من حيث القياس والتنظيم، فإن كمية الطاقة المتحررة في هذه الحالة تميل إلى
اللانهاية.
وبالتالي، يجب أن يكون مجال المادة
الكونية الذي يشمله هذا التفاعل محدودا بحدود معينة. ومن المستحيل الآن تحديد هذه
الحدود أو طبيعة الجسيم الذي يجب تدميره لبدء هذا المسار. لكن هذا التصور يفسر
إمكانية تحويل كتلة واسعة من المادة المتجمدة إلى سديم متوهج قادر على توليد عالم
جديد.
ومن هذا المنظور، تبدو الفرضية
قادرة على الصمود أمام النقد الأساسي.
وبناء على ذلك، يظهر الفكر بوصفه
الحلقة الرابطة في "الدائرة الكونية الكبرى"، التي من خلالها يتم احتواء
تطور المادة في صورة دائرة — كما عبر هيجل عن "اللانهاية الحقيقية"
بصورة الثعبان الذي يعض ذيله[27].
وهكذا، يبدو أن المهمة قد حلت من
حيث استيفاء الشروط:
لم يمس أي مبدأ من مبادئ المادية،
بل إن عدة أطروحات جدلية اكتسبت صياغة أكثر تحديدا.
لقد تم تصور الفكر بوصفه خاصية
حقيقية للمادة، وأعلى نتاج لتطورها، وأسمى إبداع لها، يظهر بالضرورة ويؤدي دورا
ضروريا ضمن تطور الكون.
كما تم فهم قانون حفظ وتحول المادة
والحركة بشكل ملموس، وتم اقتراح مسار ممكن لإعادة استخدام الحرارة المشعة من
النجوم في عملية معاكسة، أي في تركيز المادة والطاقة من جديد في سديم متوهج.
والأهم من ذلك، من زاوية علاقة
المادة بالفكر:
تسند هذه الفرضية إلى الفكر دورا
تدميريا في مجرى الدائرة الكونية — وهو دور يتناسب مع موقعه كأعلى درجة في سلم
التطور.
لكن النتيجة المدهشة:
إن كل تطور الثقافة الروحية والمادية،
وكل تاريخ الفكر، يقود في النهاية إلى محصلة صفرية — إلى موت بسيط دون بقاء أثر.
غير أن هذه الفرضية، انطلاقا من
موقع الفكر داخل تفاعل المادة الكوني، تأخذ بعين الاعتبار الشروط الموضوعية التي
تتجاوز الإرادة والوعي، وتقدم تصورا لـ"الغاية الأسمى" لوجود الفكر —
تلك الغاية التي طالما تأملتها الأديان.
لكن هذه "الغاية" تفهم
هنا فهما ماديا: بوصفها انعكاسا لمكانة الفكر داخل الشروط الموضوعية لتطور المادة. وهذه الغاية، كما تفهم
هنا، أسمى وأكثر عظمة من كل التصورات الدينية: فهي تجعل من نهاية الفكر ليست نهاية عبثية، بل فعلا خلاقا، تمهيدا
لدورة جديدة من حياة الكون.
إن مثل هذا المعنى للإنسانية، ومثل
هذا المعنى لموتها، لا يمكن بطبيعة الحال أن نجده في أي تصور آخر. فالموت، في
الواقع، أمر حتمي، وهذه الحتمية لا يمكن لأي فرضية أخرى أن تنكرها. إن الاختلاف
الوحيد بين الفرضيات الممكنة يكمن فقط في اختلاف تفسير المعنى الموضوعي ودور فعل
الفناء، أي دور لحظة الانطواء داخل الدائرة الكونية الكبرى للمادة، ومكانة الموت
ضمن منظومة التفاعل الكوني الشامل.
تتميز الفرضية المقترحة عن غيرها
بكونها تفهم موت الإنسانية (وموت الفكر عموما) ليس كفعل عديم المعنى، كما في باقي
الفرضيات، بل كفعل مبرر وضروري تماما من وجهة نظر الدائرة الكونية الشاملة للمادة،
التي تتطور وفق قوانينها الموضوعية.
ومع ذلك، يظل الفكر لحظة تاريخية
عابرة في تطور الكون، ومنتجا مشتقا (ثانويا) عن تطور المادة، لكنه منتج ضروري بشكل
مطلق: نتيجة تتحول في الوقت نفسه إلى شرط من شروط وجود المادة اللامتناهية.
وهنا تظهر علاقة جدلية حقيقية بين
المادة والفكر، علاقة ترابط متبادل، حيث تبقى المادة أولية ومحددة، لكنها تصبح، مع
ذلك، مشروطة بالتأثير العكسي النشط للفكر.
يظهر الفكر إذن كخاصية حقيقية،
وتكتسب الأطروحة القائلة: "كما لا يوجد فكر بدون مادة، لا توجد مادة بدون فكر"
معنى واقعيا وملموسا.
وفي هذا الضوء، لا يبدو الفكر فقط
كأسمى زهرة في الكون وأكثرها روعة، بل كزهرة خصبة أيضا، تنجب من خلال موتها ثمرة
ضرورية تماما من منظور الدائرة الكونية الشاملة. إن موت الروح المفكرة يتحول إلى
فعل خلاق حقيقي، إلى فعل يحول صحارى الفضاء بين المجرات المتجمدة والمظلمة إلى كتل
دوارة من عوالم متوهجة، مضيئة، دافئة ومشمسة؛ منظومة تصبح مهدا لحياة جديدة،
وبداية جديدة للفكر المفكر، الخالد مثل المادة نفسها.
وهكذا يصبح موت الدماغ المفكر شكلا
من أشكال خلوده.
وفي مكان آخر (في مستقبل لا نهائي
البعد)، ستظهر كائنات جديدة طورت فيها الطبيعة فكرا واعيا، وستتأمل – كما نفعل نحن
اليوم – عوالم النجوم المتلألئة في سماء كوكبها، بوعي فخور بأن تلك العوالم تدين
بوجودها لفكر مفكر قد اندثر يوما، لتضحية قد قدمت.
وفي بريق السماء المرصعة بالنجوم،
سيرى الكائن المفكر شهادة على قوة وجمال ما هو خالد حتى في موت فكره الخاص، متجسدا
حسيا، دون أن يزول إدراكه لواجبه وقدرته تجاه العالم الحسي.
فالسماء المرصعة بالنجوم، مثل
الطبيعة المحيطة كلها، ستكون مرآة يعكس فيها الكائن المفكر طبيعته اللامتناهية.
ومن خلال لمعان النجوم، سيتحدث الفكر إلى نفسه بلغة لا يفهمها إلا هو، عن فكر خالد
يبعث من جديد باستمرار في نتائجه.
وفي تأمل الطبيعة الأبدية، سيشعر
الإنسان (أو أي كائن مفكر) بفخر داخلي بحجم مهمته الكونية والتاريخية، وبمكانة
ودور الكائن المفكر داخل منظومة التفاعل الكوني الشامل.
إن الإنسان، وهو واع بضخامة الدور
الذي يؤديه في الكون، يكتشف أيضا إدراكه لغايته الأسمى، ولأسمى أهداف وجوده في
العالم. وتكتسب نشاطاته طابعا جديدا من الحماسة (الباثوس)، تتلاشى أمامه الحماسات
الدينية الزائفة. إنه باثوس الحقيقة، باثوس الوعي الحقيقي بدوره الموضوعي في
منظومة الكون.
ومن الواضح أنه لكي يحقق الروح
المفكر مهمته الكونية والتاريخية، فلن يجد شروط ذلك إلا عند ذروة تطوره وقوته؛ وهي
نقطة لن نشهدها نحن، أبناء القرن العشرين. ستمر ملايين السنين، وستولد آلاف
الأجيال وتمضي إلى قبورها، وسيتأسس على الأرض نظام إنساني حقيقي، شرطه الأساسي هو
مجتمع بلا طبقات. وستزدهر الثقافة الروحية والمادية ازدهارا هائلا، على أساس وبدعم
من ضرورة أن تؤدي الإنسانية تضحية تجاه الطبيعة[28].
أما بالنسبة لنا، نحن الذين نعيش
في فجر ازدهار الإنسانية، فإن النضال من أجل هذا المستقبل سيظل الشكل الحقيقي
الوحيد لخدمة الأهداف العليا للروح المفكر. وهذا النضال الذي نخوضه اليوم، وهذه
الممارسة الراهنة التي تمنح فرضيتنا مضمونها، لا يضاف إليها شيء ولا يُنقص منها
شيء؛ بل يضاف فقط وعي فخور (لا يزال يحمل طابعا جماليا في الوقت الراهن) بأن
النشاط الإنساني لا يصبح روحيا إلا من خلال باثوس الأهداف "النهائية"، ولكنه
يمتلك أيضا معنى كونيا وتاريخيا، ويجسد أهدافا خالدة تحددها منظومة التفاعل الكوني
الشامل.
وفي ضوء هذه الفرضية، المطروحة
بطريقة جديدة تماما، تكتسب الكلمات العبقرية في ديالكتيك الطبيعة قوة
نبوئية أكبر:
"إما
أن نلجأ إلى خالق،أو نضطر إلى الاستنتاج بأن المادة الأولية المتوهجة للأنظمة
الشمسية في كوننا قد نشأت بصورة طبيعية من خلال تحولات في الحركة، تحولات متأصلة
في طبيعة المادة ذاتها، والتي يجب بالتالي أن تعيد المادة إنتاج شروطها، ولو بعد
ملايين وملايين السنين، وبقدر ما عن طريق المصادفة، ولكن مع ضرورة كامنة في هذه
المصادفة"[29].
وبمساعدة فرضيتنا نحصل على أساس
جديد لهذا اليقين:
"تظل
المادة هي نفسها أبدا في جميع تحولاتها، ولا يمكن لأي من خصائصها أن يضيع؛ وبالتالي،
فبنفس الضرورة الصارمة التي تفني بها المادة أسمى نتاجاتها، أي العقل المفكر، لا
بد أن تعيد إنتاجه في مكان آخر وفي زمان آخر" (إنجلز)[30].
ومن ثم يمكننا أن نضيف:
إن الروح المفكر ليس زهرة عقيمة تزهر
لحظة لتذبل فورا، بل هو في آن واحد شرط لوجود المادة ونتيجة ضرورية لها؛ أي شرط
مفترض داخليا، لانهائي وعام، لواقع المادة الكونية الموضوعية. وهكذا يصبح الروح
المفكر خاصية حقيقية للمادة بوصفها جوهرا لا نهائيا للكون.
[1] : « Космология духа » 1950: من الدراسات الهامة التي كتبها إيفالد إيليينكوف بخصوص
الدور الموضوعي للمادة المفكرة (الروح) ضمن نظام التفاعل الكوني.
ÉVALD V.
ILIÉNKOV, OBRAS ESCOGIDAS (Volumen I), Primera edición, 2021, p: 7.
[2] : إن القول بأن "المادة
تفكر" لا يعني البتة أن "الحجر يفكر .." بل يعني ان المادة عندما
تبلغ درجة معينة من التطور والتعقيد تنتج عضوا يفكر (الدماغ). وهذه الاطروحة تؤدي
إلى استنتاج اساسي: ان الفكر ليس شيئا خارقا، منفصلا عن العالم والطبيعة، بل انه
نتاج تطور المادة. وبعبارات اخرى، يمكننا ان نقول ان الدماغ لا يأتي من خارج
الطبيعة، بل هو الطريقة التي صارت بها الطبيعة قادرة على التفكير في نفسها.
[3] : يمكننا التعبير عن الاطروحة
الأساسية التي يعبر عنها إليينكوف الى غاية الان في هذه الدراسة على النحو الاتي: الفكر
خاصية كونية للمادة. وهذا لا يعني أن كل شيء جزئي يمارس التفكير – فهذا سيكون
نمطا من البانسيخية- وإنما يعني ان المادة تنتج الفكر الذي يظهر بعد ذلك في أشكال
تنظيمية معينة. مما يعني ان الفكر يظهر عندما تصل المادة الى مستوى معين من
التنظيم هو مستوى الدماغ الاجتماعي للانسان.
ان القول بأن
"المادة تفكر" يستعيد قول سبينوزا : الجوهر يمتلك خاصيتين: الامتداد
والفكر، مع التأكيد على ان الجوهر هنا هو المادة الكونية والفكر هو أحد أشكالها
المتطورة.
لكن هل يمكننا اعتبار ظهور الفكر حادثا عرضيا؟ بالنسبة الى
إليينكوف، وبسبب لانهائية الزمان والمكان فإن ظهور الفكر ليس حادثا عرضيا وانما
ضرورة كونية. فإذا كانت المادة، الزمن لانهائيين فإن الاحتمالات ستكون كذلك
لانهائية بحيث يكون ظهور التنظيمات (ومن بينها العقل) المعقدة امرا محتوما. بعبارة
اخرى: فإن الكون سينتج الفكر دائما.
سنرى في قادم الصفحات، كيف يقترب إليينكوف في هذا النص من
فلاديمير فرنادسكي، من خلال الفكرة التي لا تنظر الى الكون كالة ميكانيكية بل كعملية
توليد مستمر للتنظيم والمعرفة.
[4] : إن فهم واستيعاب اطروحة إليينكوف في
هذه الدراسة لابد له ان يستند على فلسفة سبينوزا. ففي هذه الاخيرة نجد ثلاث
مستويات بثلاث مفاهيم أساسسية: مفهوم الجوهر، مفهوم الخاصية (وهو
مفهوم مهم لفهم اطروحة إليينكوف) ثم مفهوم النمط. الجوهر عند سبينوزا هو
الوجود المطلق، شيء واحد لانهائي (الله – الطبيعة)، أما الخاصية فهي تعبير عن
الكيفية التي يظهر من خلالها هذا الجوهر بالنسبة لنا، كالفكر والامتداد. والخاصية
تكون أزلية، ضرورية ولا تختفي. في حين نجد أن مفهوم النمط يشير الى تجسيد جزئي
ومحدود للخاصية، هذا الجسم مثلا هو نمط الامتداد، وهذه الفكرة هي نمط الفكر. إن
النمط اذن، على عكس الخاصية، يكون محدودا، مؤقتا وقابلا للزوال. وبالتالي
حينما يقول إليينكوف في هذا النص ان الفكر هو خاصية للمادة فهذا يعني اساسا انه
ليس مجرد ظاهرة عابرة ومؤقتة وانما شيئا ضروريا في بنية الكون.
[5] : Engels, 1974
[1883]: 475-76.
[6] : هذه الفكرة أساسية ومحورية عند
إليينكوف: فالمادة ككل او كجوهر تكون لانهائية وازلية وهذا قريب من مفهوم الجوهر
عند سبينوزا. لكن المادة كجزء، اي كأشياء (او انماط)، كالنجوم والكواكب إلخ، فهي
محدودة، تظهر وتختفي ولها بداية ونهاية. هذا التمييز بين المادة ككل وكجوهر
والمادة كجزء ضروري من اجل التأكيد على فكرة اساسية مفادها ان ما يزول هو الأشكال
او الانماط وليس المادة نفسها. وهو ما سيسمح لإليينكوف لاحقا بالقول انه حتى لو
اختفى الفكر كجزء فإنه يجب ان يعود كخاصية للكل وللجوهر.
[7] : حينما نقر بأن الفكر خاصية المادة
ككل لا كجزء، ما هي نتائج وتداعيات هذا الموقف بخصوص ما يطرح اليوم حول الذكاء
الاصطناعي؟ هل هو عقل مفكر؟ هل هو فعلا ذكاء؟ وهل يمكن له ان يصبح عقلا حقيقيا في
المستقبل؟ وهل من الممكن تدريبه على الخير او جعله فاضلا؟
في هذا النص الفذ يطرح إليينكوف فكرة أن الفكر هو خاصية
للمادة ككل وليس خاصية لكل جزء من أجزائها، ويضيف في كتابات اخرى ان الفكر
يظهر فقط في شكل تاريخي-اجتماعي محدد من تنظيم المادة، اي في الدماغ البشري
المتداخل والمندمج مع النشاط الاجتماعي والثقافة واللغة. إنطلاقا من هذا
التحديد يمكننا الاستنتاج أن الذكاء الاصطناعي ليس عقلا مفكرا من منظور إليينكوف.
فالفكر ليس مجرد معالجة المعلومات، او القيام بالحساب او انتاج اجابات وانما هو
اساسا شكل من النشاط الاجتماعي العملي. فلكي يكون هنالك فكر لابد من تحقق ثلاث
عناصر: الدماغ البيولوجي (أداة الفكر)، النشاط العملي في العالم ثم الثقافة
الاجتماعية المتمثلة في اللغة، المفاهيم والتاريخ. صحيح أن الذكاء الاصطناعي يمتلك
خوارزميات وبيانات وقدرة حسابية لكنه لا يملك تجربة عملية في العالم ولا يملك
تاريخا اجتماعيا خاصا ولا ذاتية واعية. لهذا فلا يمكن اعتباره عقلا مفكرا
بالمعنى الفلسفي. ولكن هل يمكننا مع ذلك اعتباره ذكاء؟ نعم هو ذكاء، لكنه ليس
ذكاء ذاتيا وإنما شكل موضوعي من الذكاء البشري المتجسد في التقنية، أي أن
الذكاء الموجود في الالة هو ذكاء البشر المتجسد في البرمجيات. وهنا نكون اقرب
الى فكرة الموضوعية عند إليينكوف. فالافكار البشرية تتحول الى اشكال مادية خارجة
عن الدماغ (الكتب، الالات، الخوارزميات إلخ) وبالتالي يمكننا اعتبار الذكاء
الاصطناعي تجسيدا ماديا خارجيا لبعض العمليات الفكرية البشرية.
ولكن هل يمكن لهذا الذكاء البشري المتموضع في الالة ان يصير
يوما ما عقلا حقيقيا في المستقبل من منظور الديالكتيك المادي؟ من منظور
الديالكتيك، هناك احتمالان فلسفيان: إما أن العقل لا يظهر ولا يمكنه ان يظهر الا
في كائن اجتماعي حي يعيش في العالم، وفي هذه الحالة لن يصبح الذكاء الاصطناعي
عقلا، بل سيظل أداة معرفية للبشر. وهذا هو الاحتمال الاكثر انسجاما وقربا
من إليينكوف. وإما أن يظهر نظام تقني يعيش في العالم، يتفاعل معه، ويطور ثقافة
خاصة ويدخل في التاريخ الاجتماعي، وفي هذه الحالة قد يظهر شكل جديد من العقل. إلا
ان هذا الطرح يتطلب شيئا شبيه بحضارة اصطناعية مستقلة. لنسجل الاستنتاجات الهامة
التي توصلنا إليها:
ü الذكاء الاصطناعي ليس عقلا مفكرا.
ü الذكاء الاصطناعي هو ذكاء بشري
متموضع في الالة.
ü الذكاء الاصطناعي لا يمكنه ان يصير
عقلا وانما سيظل أداة معرفية للبشر.
إنطلاقا من كل هذه المواقف، هل
يمكننا القول بامكانية تدريبه على الخير او جعله فاضلا؟ تماما كما ميزنا بين الفكر
والبرمجة علينا كذلك ان نميز بين الاخلاق والبرمجة. الاخلاق ليست عبارة عن قواعد،
وانما لها ارتباط بالصراع الاجتماعي والحياة الاجتماعية والتجربة الانسانية. وبما
ان الذكاء الاصطناعي لا يملك هذه التجربة فإننا لا يسعنا سوى ان نقوم بضبطه او
توجيهه ولا يمكننا ان نجعله "فاضلا" لسبب بسيط هو ان الذكاء
الاصطناعي لا يملك إرادة.
[8] : هنا يحاول إليينكوف حل مشكلة فلسفية
قديمة: كيف يمكن تفسير الفكر داخل المادية دون الوقوع في الاختزال؟ من هنا التمييز
بين الجزء والكل، بين المادة بوصفها جزءا والمادة بوصفها جوهرا (المادة بوصفها
كلا). فعلى مستوى الاجزاء المتناهية، قد يظهر الفكر وقد لا يظهر (الصخرة لا تفكر،
كوكب لا يحتوي على الحياة إلخ): هنا يكون الفكر ظاهرة نادرة نسبيا. أما على مستوى
المادة كجوهر او ككل، فالوضع يختلف تماما، لأن الكون لانهائي، الزمن لانهائي،
وأشكال التنظيم المادي تكون كذلك لا نهائية، وهنا يكون ظهور الفكر ضروريا وليس
عرضيا. على هذا النحو يوجه إليينكوف نقدا حاسما للمادية الميكانيكية التي تعتبر ان
الفكر مجرد خاصية ثانوية للمادة.
[9] : Engels,
1974 [1883]: 490.
[10] : Ibid.:
490.
[11] : ما هو موقع الفكر في تطور
المادة؟ ولماذا لا يمكن تصور شكل أعلى وأرقى منه؟ هنا يتبع إليينكوف خطى
إنجلز. هذا الاخير كان يرى أن المادة تتحرك عبر مستويات (الحركة الميكانيكية،
الحركة الفيزيائية، الحركة الكيميائية، الحركة البيولوجية والفكر) وكل مستوى من
هذه المستويات يمثل تعقيدا أعلى في تنظيم المادة. وأرقى شكل معروف حتى الان هو
الفكر. فلو افترضنا وجود شكل أعلى من الفكر فإننا سنواجه مشكلة، لأن هذا الشكل
سيكون بالضرورة أكثر تعقيدا من الفكر وخارج قدرة الفكر على الفهم، مما يعني ان
العالم يحتوي مجالا هو اساسا غير قابل للمعرفة. إذن فالافتراض بوجود شكل ارقى من
الفكر سيؤدي اما الى الشكية (الريبية الفلسفية) او الى الفلسفة اللاادرية الوضعية،
أي اننا سنقول في نهاية المطاف بأن العقل او الفكر غير قادر على معرفة الواقع.
وهذا يتعارض مع فكرة اساسية في المادية الجدلية وهي قابلية معرفة العالم من حيث
المبدأ.
[12] : ملاحظة المترجم في الطبعة
الاسبانية:
عرف إليينكوف مفهوم "اللانهاية
السيئة" الذي صاغه هيغل في المعجم الفلسفي السوفييتي (1963) كما يلي: إنها تصور ميتافيزيقي لللانهاية في
العالم يفترض أن: الخصائص والعمليات والقوانين نفسها
تتكرر بشكل رتيب ولا نهائي في الزمان والمكان. وعند تطبيقه على بنية المادة يعني ذلك: أن المادة قابلة للانقسام إلى ما
لا نهاية بحيث تمتلك كل جسيمة صغيرة الخصائص نفسها التي تمتلكها الأجسام الكبرى
وتخضع للقوانين نفسها. أما بالنسبة لبنية الكون فيعني ذلك: وجود تسلسل لا نهائي من الأنظمة
الميكانيكية التي تمتلك الخصائص والقوانين نفسها. وفي تصور تطور الطبيعة يفترض هذا
المفهوم وجود دورات لا نهائية للمادة تعود دائماً إلى نقطة البداية نفسها. وقد أدخل مفهوم اللانهاية السيئة
الفيلسوف هيجل. لكن وجود عدد لا نهائي من مستويات التنظيم
النوعي المختلفة للمادة – حيث تمتلك المادة في كل مستوى خصائص مختلفة وتخضع
لقوانين مختلفة للحركة – وكذلك التحولات النوعية للمادة والتغير غير القابل للعكس
في الطبيعة، يبرهنان على خطأ هذا التصور لللانهاية.
[13] : Engels, 1974 [1883]: 522.
[14] : إذا اعترفنا بوجود مستوى رفيع وأعلى
لتنظيم المادة (الفكر، الدماغ المفكر) فلابد من الاعتراف ايضا بوجود أدنى مستوى
ممكن للمادة. لقد سبق لإنجلز في ديالكتيك الطبيعة – كما يشير الى ذلك نص
إليينكوف- أن طرح فرضية المادة في حالتها الأبسط. فما هي اذن ابسط حالة ممكنة
للمادة؟ إنجلز قدم هنا فرضية فلسفية لا استنتاجا فيزيائيا نهائيا مقرا بوجود حالة
تختفي فيها الخصائص الكيميائية، الكهربائية والبيولوجية ولا يبقى سوى المادة
بوصفها مادة. ولقد ربط إنجلز هذه الحالة بما اسماه "السديم الكوني
الغازي" (وهي فكرة مأخوذة جزئيا من فرضية السديم الكوني في علم الفلك في
القرن التاسع عشر)، أي أن الكون في مرحلة معينة قد يكون غازيا، غير متمايز وبلا
عناصر كيميائية مستقرة، وفي هذه الحالة تكون المادة أبسط تنظيم ممكن للحركة.
إليينكوف يستند على هذه الفكرة ويدمجها ضمن تصور كوسمولوجي أوسع. فالتطور الكوني
يسير على هذا النحو تقريبا: من المادة البسيطة، ثم نجوم وكيمياء، ظهور الحياة،
الدماغ المفكر، تفكك الانظمة او التنظيم والعودة الى المادة البسيطة. مما يعني أن
الكون يشكل دورة كونية للمادة يمثل فيها الفكر الذروة التنظيمية للمادة. غير أن
بعد هذه الذروة ينحل التنظيم ويعود الكون تدريجيا الى الحالة الفيزيائية ثم
الجسيمية. وهنا بالذات ينبغي علينا ان ننتبه الى نقطة مهمة يضيفها إليينكوف:
فالدماغ المفكر هنا ليس مجرد مرحلة بل هو حلقة ضرورية في الدورة الكوني للمادة،
بمعنى ان المادة الكونية تنتج الفكر لكي تمر عبر هذه المرحلة. وهنا بالذات يقترب
إليينكوف من مفهوم النوسفير (مجال النو) عند فلاديمير فرنادسكي.
[15] : ملاحظة المترجم في الطبعة
الإسبانية:
راجع نظرية "الميل
الزاوي" او "الانحراف" (الكلينامين) والمادية العرضية لدى لويس
ألثوسير في مرحلته المتأخرة، والمستمدة بدورها من الكوسمولوجيا الأبيقورية. وفقا
لهذه الرؤية، يوجد سيل متدفق من الذرات يسقط عبر الفراغ دون ان تتلامس فيم بينها،
إلى أن يحدث حدث عرضي يؤدي إلى انحراف طفيف في مسار إحدى الذرات، مما يسبب اصطداما
يولد بدوره اصطدامات اخرى.
تعليق:
قبل الشروع في مقارنة مفهوم ألثوسير
للمصادفة او للعرضي مع مفهوم إليينكوف لابد لنا من العودة الى ماركس الشاب وتأويله
في بحث الدكتوراه لل "الكلينامين". لقد سبق لنا عرض النقاط الاساسية
لهذه الاطروحة في مقالتنا: ماركس والمادية القديمة.
https://dialectique-critique.blogspot.com/2026/03/blog-post.html
فالمسألة الحاسمة التي ميزت قراءة
ماركس لأبيقور عن كل القراءات التقليدية (شيشرون، بايل، الخ) تحددت أساسا في تفسير
الميل الزاوي (الكلينامين) كضرورة داخل نظام الذرة نفسها. ولهذا السبب تحدثنا في
دراستنا عن ماركس الشاب والمادية القديمة عن مفهوم "العرضية الضرورية"
او "المصادفة الضرورية" والذي نراه أقرب الى ما يطرحه إليينكوف في هذا
النص من خلال قوله: "ان ما نحتاجه هو صدفة ليست صدفة محضة".
[16] : في ضوء الواقع الراهن، تبدوا فرضية إنجلز
حول النهاية الحتمية المرتبطة بتطورات الطبيعة الكونية أقرب إلى التحقق من التفاؤل
الذي عبّر عنه إليينكوف، لكن هذا التقارب ظاهري ومشروط تاريخيا. فإليانكوف لم
ينطلق من مجرد تقدم تقني، بل من فرضية أعمق مفادها أن تطور الإنسانية—خاصة ضمن أفق
تحرر اجتماعي شامل— سيمكنها من إعادة تشكيل شروط وجودها والتحرر النسبي من التبعية
المباشرة للطبيعة. غير أن هذه الشروط لم تتحقق تاريخيا، حيث بقي التطور العلمي
خاضعا لبنية اجتماعية (رأسمالية) تعوق توجيهه نحو غايات كونية إنسانية. لذلك، فإن
“صحة” إنجلز هنا لا تعني خطأ إليانكوف، بل تعكس حدود المرحلة التاريخية الحالية:
إنجلز يعبر عما سيحدث إذا بقي الإنسان أسير شروطه الطبيعية والاجتماعية القائمة،
بينما يعبّر إليانكوف عن إمكانية تاريخية لم تتحقق بعد، لكنها تظل من حيث المبدأ مفتوحة.
[17] : هنا يقوم إليينكوف بقلب فرضية
إنجلز. عند إنجلز فرضية نهاية المادة المفكرة (أو الإنسانية) تتحقق من خلال نقص
الطاقة (البرد، انطفاء الشمس)، أما عند إليينكوف فهي تتحقق من خلال فيض الطاقة
(الحرارة المطلقة، السديم المتوهج). وبالتالي فإن النقيض "البرودة" ليس
هو الحد المطلق، بل النقيض الاخر (الحرارة القصوى). فالمشكلة – من منظور إليينكوف-
ليست في نقص الطاقة بل في استحالة الحفاظ على شكل منظم للمادة في حالة الفوضى
الحرارية المطلقة. إن حدود وجود المادة المفكرة تتحدد بقدرتها على الحفاظ على بنية
منظمة (أنتروبي منخفضة)، وهذه القدرة تنهار في حالة الانتروبي القصوى: سواء في
التوازن الحراري البارد أو في الفوضى الحرارية المتفجرة، وبالتالي فإن نهاية
المادة المفكرة ليست مجرد نتاج نقص في الطاقة بل نتاج استحالة تنظيمها.
[18] : رودلف كلاوزيوس هو العالم الفيزيائي
الذي صاغ فرضية "الموت الحراري" ضمن إطار علم الديناميكا الحرارية. عند
كلاوزيوس، "الموت الحراري" هي حالة يصل إليها الكون وتتميز بتوازن حراري
كامل وانتروبي قصوى وبالتالي لا حياة، لا عمل ولا فروقات. إنجلز، من جانبه، لم يقم
بتطوير هذه النظرية على نحو مباشر، بل يطرح سيناريو قريب : تبرد الشمس، ثم تبرد
الارض ثم نهاية الحياة والمادة المفكرة. أطروحة إنجلز تبقى إذن محلية وجزئية خاصة
بالنظام الشمسي وليس تصورا كوسمولوجيا على غرار كلاوزيوس. أما إليينكوف فينطلق في
البداية من هذه الفرضية كمعطى علمي ثم يمارس النقد الفلسفي الذي يعبر عن رفضه عن اعتبارها
"نهاية مطلقة للكون"، بمعنى أنه يدمج "الموت الحراري" جدليا،
أي يجعلها مرحلة داخل دورة كونية.
[19] : ينطلق
إليينكوف من مفارقة نظرية حاسمة: فإذا كان قانون الأنثروبي يدل على أن الطاقة
تتبدد باستمرار في الفضاء، وأن الكون يتجه نحو حالة توازن حراري شامل، فإن هذا
المسار—لو كان مطلقا وأحاديا—كان ينبغي أن يكون قد تحقق منذ زمن لا نهائي، بما أن
الزمن الكوني غير محدود. غير أن الواقع يكذب هذا الاستنتاج، إذ لا يزال الكون يزخر
بالبنى والتنظيم والحركة. ومن هنا يستنتج إنجلز ضرورة افتراض وجود عملية معاكسة
للتبديد، أي عملية لإعادة تركيز المادة والطاقة وتوليد نجوم وأنظمة جديدة، حتى وإن
ظلت آليتها الملموسة مجهولة. هذه الفكرة تشكل نواة تصور جدلي للطبيعة، حيث لا تفهم
العمليات الكونية كخط مستقيم نحو السكون، بل كصيرورة متناقضة تجمع بين التبدد
وإعادة التنظيم. وسيطور هذا المنظور لاحقا،
معتبراً أن التناقض بين الإنتروبي وإعادة التركيز ليس تناقضا خارجيا، بل هو شرط
داخلي لحركة المادة ذاتها، بحيث يغدو "الموت الحراري" لحظة ضمن دورة
أوسع، لا نهاية مطلقة لها.
[20] : Engels. 1974 [1883]: 562.
[21] : Engels 1974 [1883]: 562.
[22] : إليينكوف ينطلق من مبدأ أساسي في
الفيزياء ليصل بعد ذلك الى ضرورة الجدل. إن قانون حفظ الطاقة لا يعني الثبات – من
منظور الفكر الديالكتيكي- بل يعني التغير الدائم. لكن إليينكوف لا يكتفي بهذا
البعد بل ويؤكد على أنه إذا كانت التحولات حقيقية، فلا يمكن أن تكون أحادية
الاتجاه. أي لا يمكن ان يكون هناك تبديد وفقط دون إعادة تركيب. من هنا ظرورة فهم
الأنثروبي فهما جدليا لا فهما أحاديا. وهذا النظر الجدلي في القضية يقلب المشكلة،
فالتساؤل ليس هو لماذا تفقد النجوم طاقتها؟ وإنما أين تذهب هذه الطاقة؟ وكيف تعود
لتشكل نجوما جديدة ونظما جديدة.
ها هنا يطرح إليينكوف فرضيته الجريئة: "الفكر يشارك
في إعادة تنظيم الكون"، مما يعني ان الفكر ليس مجرد ظاهرة محلية في
الدماغ فقط بل لحظة كونية في حركة المادة.
[23] : إذا كان الفكر أو المادة المفكرة
يشارك في إعادة تنظيم المادة فهذا يعني أن الأنثروبي ليس مصيرا نهائيا، بل جزء من
عملية جدلية أكبر. هذا هو جوهر الحل الذي قدمه إليينكوف لمسألة أنثروبي العالم.
[24] : Engels
1974 (1883): 531.
[25] : يمكننا ان نلخص هنا رؤية
إليينكوف بخصوص دور الفكر في الكون او الدائرة الكونية على النحو الاتي: الفكرة
الاولى تؤكد على أن الفكر ليس مجرد ظاهرة او حادث او نمط بل هو قوة كونية، أي أنه
لحظة فعالة في الكون. هذه الفكرة تمكنه من حل التناقض بين الانثروبي والديالكتيك
(هل الانثروبي (النزوع نحو السكون او الفوضى) متوافق مع الجدل (نحو الحركة)؟)
فبدون الفكر لن تعاد عملية تركيز الطاقة ولن تطلق عملية التفاعل العكسي وبالتالي
لن تكون هنالك دورة جديدة، وبالتالي سيكون الموت الحراري انثروبي نهائي او نهاية
مطلقة. من هنا كان الفكر عند إليينكوف هو ما يمنع تحول الأنثروبي الى نهاية مطلقة.
[26] : لأن كل دورة لا تعيد نفس الشيء
وإنما تمر عبر مستوى أعلى من التنظيم ومن التدخل الواع. اذن الدائرة تتحول الى
حلزونا جدليا مشروطا بالفعل الواعي.
[27] : راجع الملحق: الثعبان الذي يعض
ذيله...
[28] : لابد هنا من الانتباه الى البعد
السياسي: المشروع الشيوعي ليس فقط مشروعا تاريخيا بل لحظة ضرورية في تطور الكون
نفسه. هل هذا يعني ان إليينكوف يحول السياسة إلى لحظة في ميتافيزيقا كونية؟ سنعالج
هذه النقطة في دراستنا: الثعبان الذي يعض ذيله ! أو كيف تعود المادة إلى حالتها
السديمية الأولى وما هو دور الفكر في هذه العملية؟
[29] : Engels
1974 [1883]: 333.
[30] : Engels 1974 [1883]: 335.
مجهود جدير بالتقدير .سلمت اناملك أيها المبدع.
RépondreSupprimer