هيجل ومفهوم تاريخ الفلسفة: لماذا تاريخ الفلسفة ليس مقبرة للأفكار؟
https://www.youtube.com/watch?v=LrOXVFfJX94&t=13s
هيجل يفتح كتابه
دروس في تاريخ الفلسفة بسؤال يبدو بسيطا لكنه ينطوي على إشكالية فلسفية
عميقة: إذا كانت الفلسفات عبر التاريخ تتناقض وتتدافع وتتدحض — إذا كان أفلاطون
يرد على السوفسطائيين، وأرسطو يرد على أفلاطون، وكانط يرد على العقلانيين
والتجريبيين — فما الذي يبقى؟ وما معنى هذا التاريخ المتشعب المتعارض أصلا؟
الجواب الذي يقدمه أغلب الناس هو أحد الجوابين المتعارضين: إما أن يروا في
هذا التعدد دليلا على عبثية الفلسفة وعجزها عن بلوغ الحقيقة — وهذا موقف الشكاك
والوضعيين الذين يعتبرون أن تاريخ الفلسفة تاريخ آراء لا علم حقائق. وإما أن
يتشبثوا بفلسفة واحدة ويعلنوها الحق المطلق ويرفضوا ما عداها — وهذا موقف
الدوغمائيين الذين يحولون فلسفة لحظة بعينها إلى حقيقة خالدة.
هيجل يرفض الجوابين معا. وهذه المحاضرة تتتبع كيف يبني هيجل جوابا ثالثا
يتجاوزهما: تعدد الفلسفات وتناقضها ليس دليل عبثية ولا عائقا أمام الحقيقة — بل هو
الشرط الضروري لتطور العقل نحوها. الفلسفات لا تتعارض كآراء متفرقة بل تتطور
كلحظات ضرورية في مسار واحد، مسار العقل وهو يتعرف على ذاته عبر التاريخ.
لفهم هذا الجواب سنسير مع هيجل عبر ثلاثة مستويات متشابكة:
أولًا —
سنبدأ بالإشكالية التي يطرحها هيجل نفسه: كيف ننظر إلى تاريخ الفلسفة؟ بعين الغابة
أم بعين الأشجار؟ وسنكتشف أن هذا الاختيار المنهجي الأول يحمل في طياته موقفًا
فلسفيًا كاملًا من علاقة الكل بالجزء، من أفلاطون وأرسطو وصولًا إلى التحويل
الجدلي الهيجلي لهذه العلاقة.
ثانيًا — سنفحص ما يسميه هيجل التحديدات التمهيدية الضرورية لفهم تاريخ
الفلسفة: الفكر، والتصوّر، والفكرة — وما يقابلها من ثلاثية الحركة الداخلية:
الكامن (الوجود في الذات)، والظاهر (الوجود هنا)، والمستعاد (الوجود للذات). وسنرى
كيف أن موضوع الفلسفة ليس الفكر المجرد — فعل الفهم الذي ينتزع العام من الجزئي —
بل الفكر العياني الذي يحمل تحديداته في داخله ويتطور بضرورة داخلية نحو تحققه
الكامل.
ثالثًا — سننتقل إلى ما يترتب على هذا كله فيما يخص دلالة التناقض والدحض
في تاريخ الفلسفة: ما الذي يدحض فعلًا حين تدحض فلسفة أخرى؟ وما الفرق الجوهري بين
الجدل الهيجلي الحقيقي— وبين التلفيقية التي تجمع الفلسفات من الخارج كقطع تصنع
منها ثوبا؟
« Nous voulons jeter d’abord sur une
forêt un coup d’œil d’ensemble avant d’en connaître les divers arbres. »
(Hegel, Leçons sur l’histoire de la philosophie, Trad. J. Gibelin, folio
essais, p : 114.) [1]
ينطلق هيجل في هذا الفصل « la
notion de l’histoire de la philosophie » من إشكالية محددة يمكن إعادة صياغتها على
النحو الاتي: كيف السبيل الى التعامل مع "تعدد" و"كثرة"
الفلسفات المتناقضة والمتعارضة دون أن نقع في الفوضى ودون إسقاط وحدة الحقيقة؟
"نود أن نلقي أولا على الغابة نظرة عامة قبل التعرف على أشجارها
المتعددة," هذه العبارة تكثف لنا موقف هيجل بخصوص إشكالية العلاقة بين الكل
والجزء، الكل هنا تمثله الغابة والجزء تمثله الشجرة. والأطروحة هنا واضحة: المعرفة
بالجزئيات المتعددة والمتفرقة دون استحضار مسبق او تفكير مسبق في الكلية التي
تنتظمها تنتج الحيرة والضياع.
لقد كانت هذه الفكرة حاضرة أيضا في نظم أفلاطون وأرسطو. فعند الأول، الكل
(المثال، الفكرة) يتمتع بأسبقية وجودية ومعرفية في علاقته بالجزئيات التي تشارك
فيه. من هنا كانت الجزئيات لا تفهم الا بالرجوع الى المثال الذي تحاكيه. كما ان
التمييز الشهير الذي صاغه أرسطو في الطبيعيات Physique I بين ما هو
أوضح بالنسبة لنا، أي الجزئيات المحسوسة وما هو هو أوضح بذاته (او بالطبع)، اي
الكليات والمبادئ، له علاقة بما يدافع عنه هيجل هنا. لكن الاهم هنا عند ارسطو هو
فكرة العضوية: فكرة ان الكل اسبق من اجزائه بالطبيعة، لأن الجزء لا يفهم تعريفه
إلا بالاحالة الى وظيفته داخل الكل، ولهذا فإن اليد المقطوعة ليست يدا إلا بالإسم.
وهذا الفهم الارسطي اقرب الى صورة هيجل عن الغابة والاشجار.
لكن هذا المبدأ، أولوية الكل، قد صاغه ارسطو على نحو سكوني وثابت. وهذا
الطابع الساكن والثابث لمفهوم الكلية totalité هو الذي
يقوم هيجل بتحويله جدليا: فالغابة في صورة هيجل لا توجد كمثال منفصل عن الاشجار،
كما انها ليست بنية ثابتة وسابقة تطبق على الاجزاء من الخارج، وانما هي نتيجة
صيرورة الأجزاء أنفسها. ولهذا فإن الكثرة (الاشجار او الفلسفات) ليست نقيض الوحدة
بل وسيطها الضروري, وعلى هذا النحو يحقق هيجل التجاوز الجدلي للثنائية الارسطية
الافلاطونية بين الكل والجزء.
« L’essentiel à envisager dans cette
Introduction se rapporte donc à cette question : Comment expliquer cette
contradiction entre l’unité de la vérité et le grand nombre de philosophies ?
Que résulte-t-il de ce long travail de l’esprit humain et comment le
comprendre ? Dans quel esprit traiterons-nous l’histoire de la
philosophie ? »
الإشكالية النظرية: كيف نفسر التناقض بين وحدة الحقيقة وتعدد الفلسفات؟ ما
هي نتيجة هذا التفكير الطويل للروح الانساني وكيف يمكننا ان نستوعبه؟ وكيف يمكننا
ان نعالج تاريخ الفلسفة؟
« Cette histoire est celle de la
pensée concrète libre ou de la raison. La pensée concrète libre
ne s’occupe que d’elle-même. Rien n’est rationnel qui n’est le résultat de
la pensée – non de la pensée abstraite, car ceci c’est le penser de
l’entendement, mais de la pensée concrète ; c’est la raison. Plus
précisément, cette question doit donc se formuler ainsi : En quel sens
doit-on considérer l’histoire de la raison pensante, c’est-à-dire en lui
attribuant quelle signification ? A cela nous pouvons répondre qu’on ne
peut l’exposer en aucun autre sens que celui de la pensée même ; on peut
même dire que la question est mal posée. A propos de tout objet on peut se demander
quel en est le sens ou la signification ; ainsi à propos d’une œuvre d’art
ce que signifie sa forme, en fait de langue ce que signifie une expression, en
fait de religion ce que signifie la représentation ou le culte, à propos
d’autres actions quelle en est la valeur morale, etc. Cette signification ou ce
sens ce n’est pas autre chose que l’essentiel, ou le général, le substantiel
d’un objet et ce substantiel, c’est la pensée concrète d’un objet. Nous sommes ainsi toujours en présence de
deux éléments, l’un extérieur, l’autre intérieur, un phénomène extérieur,
perceptible, objet d’intuition, et une signification qui est précisément
l’idée ; or, comme notre objet même est l’idée, il n’y a pas là deux
choses différentes, mais l’idée est ce qui est significatif pour soi-même.
L’objet est ici le général, et il n’y a pas lieu de rechercher une
signification séparée ou séparable de l’objet. Ainsi l’histoire de la
philosophie n’a d’autre signification, d’autre détermination que la pensée même ;
elle est ce qu’il y a de plus intime, de plus élevé et au-dessus on ne peut
établir nulle pensée. A propos d’une
œuvre d’art, nous pouvons réfléchir, nous demander si la forme répond à
l’idée ; nous pouvons donc la dominer ; mais l’histoire de la pensée
libre ne peut avoir d’autre sens, d’autre signification que de parler de la
pensée. La détermination qui ici se substitue au sens et à la signification,
c’est la pensée même. (Ibid. p : 115/116)
رأينا سابقا كيف اسس هيجل لضرورة النظرة الكلية من خلال مثال الغابة
والأشجار، وها نحن ذا نجده في هذا النص يحاول تحديد ماهية هذا الكل، أي تاريخ
الفلسفة. وهو يقول لنا بوضوح تام أن هذا الكل ليس بنية مجردة ولا روحا غامضة بل هو
الفكر العياني الحر، أي العقل بما هو نشاط ذاتي حر لا يستمد موضوعه من خارجه. بل
لا يعنى إلا بذاته. تاريخ الفلسفة هو اذن تاريخ الفكر[2] العياني الحر، تاريخ العقل
الذي لا يعنى الا بذاته.
إن ملكة الفهم على سبيل المثال تقوم بتثبيت المقولات، تحلل وتقسم إلخ أي
انها تتعامل مع الجزئيات كجزئيات معزولة وهذا بالضبط موقف من ينظر الى الاشجار
بمعزل عن الغابة. لكن العقل، اي الفكر العياني، هو الذي يدرك الكلية الحية عبر
تناقضاتها، وهو وحده العقلاني بالمعنى الدقيق. تاريخ الفلسفة اذن ليس هو تاريخ
الفهم او الفكر المجرد، بل هو تاريخ العقل او الفكر العياني الحر.
أما القلب الفلسفي لنص هيجل السابق فيتمثل في رفضه النموذج المعتاد في طرح معنى
او دلالة أي ظاهرة — حيث نفترض وجود ظاهرة خارجية (شكل، نص، طقس) لها دلالة باطنة
منفصلة عنها يجب البحث عنها (كما في العمل الفني، أو اللغة، أو الدين). لكن بالنسبة لتاريخ الفلسفة تحديدا، لا ينطبق
هذا النموذج الثنائي: لأن الموضوع هنا هو الفكرة (l’idée) ذاتها، وبالتالي
فلا وجود لموضوع خارجي يحمل دلالة داخلية منفصلة— الفكرة هي ذات دلالة لذاتها.
هذا تمييز دقيق جدًا بين تاريخ الفلسفة وبين الفن أو الدين: في الفن يمكن على سبيل
المثال أن نسأل: هل الصورة تطابق الفكرة؟ (أي توجد مسافة بين الشكل والمضمون يمكن
للتأمل أن يقيسها)، أما في الفكر الفلسفي الحر فلا مسافة بين التعبير والمعبر عنه—
الفكر يُعبّر عن نفسه بنفسه ولنفسه.
في تاريخ الفلسفة اذن بنبغي ان نستبدل تحديد الدلالة بتحديد الفكر. ومن هنا
ضرورية تحديدات الفكر. فحينما نكون امام الظواهر الدينية، الفنية او اللغوية،
يفترض البحث عن الدلالة la
signification إجراءا
تأويليا: نمسك بالشكل الخارجي ونسأل عما يعنيه. أما في تاريخ الفلسفة، فبما أن
الموضوع هو الفكر ذاته، فإن هذا الاجراء التأويلي الذي كنا نستعمله مع الفن والدين
واللغة يتسبدل باجراء اخر مختلف نوعيا. إذ لا نسأل في هذه الحالة "ماذا يعني
هذا الفكر؟" بل نسأل ما هو تحديد هذا الفكر؟" أي أننا نسأل هنا عن كيفية
التعيين، كيفية التشكل، وكيف ينتقل الفكر من مجال الامكان الى مجال التعين الفعلي
ضمن حركة العقل.
التساؤل الذي يطرحه هيجل ويحاول الاجابة عنه يمكن اذن التعبير عنه على
النحو الاتي: ما هي اذن هذه التحديدات (التمهيدية المنطقية) Déterminations préliminaires التي ينبغي وضعها أولا حتى نفهم بأي معنى
يمكن لتاريخ الفلسفة ان يكون له موضوعا وحركة وضرورة؟
الفكر ثم التصور la
notion اي الفكر
المحدد، فالفكرة idée (الفكر في كليته). هذه
الثلاثية هي التي تجعل تاريخ الفلسفة ممكنا كتاريخ للعقل لا كسرد عشوائي للاراء.
وهيجل يتحدث ايضا عن الفكرة وتطورها. مما يعني ان هيجل لا يكتفي بالثلاثية في
سكونها (فكر، تصور، فكرة) بل يضيف فورا انها تحديدات للتطور وللعياني. فالفكرة هنا
ليست نقطة نهاية ثابتة، بل مسارا حيا او تطور عياني.
الفكر، ظاهريا، داخلي، عام، يمكن ان يكون ذاتي او موضوعي (عام) (مفهوم النوس العقل عند
أناكساغوراس)، العام والمجرد متميزان عن الجزئي، العام، المجرد = الشكل/ الجزئي =
المحتوى. التصور la notion، الفكر العياني. لابد للفكر ان يكون تصورا، هذا ضروري،
مهما بلغت درجته في التجريد، لابد له ان يكون في ذاته عيانيا. فنحن عادة ما نقول
ان الفلسفة تهتم بالمجرد لأن موضوعها هو الفكر، اي انها تقوم بعملية تجريد المحسوس
(الملموس). لكن هذا من منظور اخر يعتبره هيجل غير صائب. وذلك لأنه يعتبر ان
التجريد هو من فعل الفهم وليس العقل وبالتالي لا علاقة للتجريد بالفلسفة. التصور
هو الفكر استحال فعالا actif. (الخلق، التحديد، اعادة
الانتاج). انه العياني او الملموس. والفكرة هي التصور متحققا. انها الحقيقة.
من هنا كان موضوع الفلسفة هو الفكر الملموس الذي في تحديده الاخير يكون هو الفكرة
او الحقيقة.
هذه التحديدات التمهيدية تأكد على ان الفكر عياني (ملموس) وان الملموس هو
الحق، وانه لا نصل الى الحقيقة الا بواسطة الفكر. لكن هيجل يضيف تحديدا اخر: الفكر
ذاته يتطور (aus sich).
« Il faut se demander d’abord ce que
c’est que l’évolution ; on considère cette représentation comme connue et
l’on pense par suite qu’il n’y a pas à l’expliquer. Mais ce qui caractérise
la philosophie, c’est précisément d’examiner ce qui est présumé connu et que
chacun s’imagine déjà savoir. Ce que l’on manie et emploie sans le
regarder, ce dont on se sert dans la vie ordinaire, elle l’établit, le
parcourt, l’explique, car ce connu est précisément l’inconnu pour qui n’a pas
de culture philosophique. Nous devons donc souligner les divers points qui se
présentent dans l’évolution pour familiariser avec ce qui va se suivre.
Toutefois, il ne saurait être question d’une complète intelligence de cette
notion ; il faut pour cela un nouveau développement. Il peut sembler que
ces déterminations ne disent pas grand-chose ; mais c’est toute l’étude de
la philosophie qui devrait en montrer l’inanité.
L’idée, comme évolution, doit d’abord se faire ce
qu’elle est ; ceci parait une contradiction pour l’entendement, mais
l’essence de la philosophie consiste précisément à résoudre les contradictions
de l’entendement.
En ce qui concerne l’évolution comme telle, nous avons
deux choses à distinguer _ deux états pour ainsi dire_ la disposition, le
pouvoir, l’être en soi (potentia) et l’être pour soi, la réalité
(actus). » (Ibid. p : 122)
الفكرة، بوصفها تطورا، يجب أن تصير أولا ما هي: وهذا يبدوا تناقضا للفهم
(...)
هنا ينبغي ان نتوقف قليلا: لماذا يشكل هذا القول "الفكرة يجب ان تصير
أولا ما هي" تناقضا بالنسبة للفهم؟
بالنسبة للفهم لا يمكننا ان نقوم بأدنة تغيير فيما يخص مبدأ الهوية "أ
يساوي أ". إذن، إما أن تكون الفكرة موجودة كما هي أو أنها ليست كذلك. فعندما
نقول ان "الفكرة يجب ان تصير ما هي" يعني انها ليست بعد ما يفترض أنها
هي- وهذا من منظور الفهم تناقض-. كيف يكون الشيء ذاته ولا يكون ذاته في ان واحد؟
أما بالنسبة الى العقل (الذي هو هنا العياني في مقابل الفهم المجرد) فإن
هذا التناقض هو بالضبط جوهر الحياة والتطور. الفكرة في بداية مسارها هي "في
ذاتها" (موجودة بالقوة بلغة ارسطو) أي أنها إمكان لم يتحقق بعد، بذرة لم تصر
بعد شجرة. وصيرورتها "ماهي" ليست تحصيلا لشيء من خارجها، بل تحقيق لما
كانت تحمله في داخلها.
لقد حددنا في ما سبق التحديدات التمهيدية الثلاثة التي تمكننا من فهم تاريخ
الفلسفة بوصفه تاريخ العقل: الفكر والتصور والفكرة. لكن، وحتى يتمكن هيجل من تحديد
الكيفية التي يتحرك من خلالها الفكر من مرتبته المجردة الاولى نحو تحققه الكامل
كفكرة، يدخلنا في ثلاثية ثانية ليست مستقلة عن الاولى وإنما هي وجهها الاخر:
الوجود في الذات، والوجود هنا، والوجود للذات. كأن الثلاثية الاولى تجيب لنا عن سؤال
"ما الذي يتحرك؟" (الفكر نحو الفكرة)، والثلاثية الثانية تجيبنا عن سؤال
"كيف يتطور هذا الفكر؟" (عبر الوجود في الذات ثم الوجود هنا فالوجود
للذات).
فالفكر العام المجرد يقابل الوجود في الذات: الامكان الذي لم يتحقق بعد.
الوجود بالقوة بلغة ارسطو. تلك البذرة التي تحمل في داخلها ما ستصيره دون ان تكون
قد صارته بعد. أما التصور، بوصفه الفكر وقد استحال عيانيا وفعالا، يقابل الوجود
هنا (الدازاين). تلك اللجظة التي يخرج فيها الفكر من داخله المجرد ويتجلى في
الواقع ملموسا. انه ما يجعل الانتقال من الوجود في الذات الى الوجود للذات ممكنا.
(واسطة). أما الفكرة المتحققة فتقابل الوجود للذات، أي الفكر وقد عاد إلى ذاته بعد
رحلته عبر الخارج، وقد صار ما كان في الذات امكانا، وما كان في الوجود هنا ظهورا
متوترا صار الان تحققا كاملا، وجودا يعرف ذاته بذاته، أي الحقيقة.
وانطلاقا من هذه الثلاثيتين معا، بوصفهما التحديدات التمهيدية لتاريخ
الفلسفة، يتضح لنا لماذا يصف هيجل هذا التاريخ بأنه تاريخ العقل لا تاريخ الاراء.
فكل فلسفة في التاريخ هي لحظة في الوجود هنا – اي انها تجل جزئي للفكر في زمن
بعينه وفي نسق بعينه- تحمل في داخلها امكانا لم يتحقق كليا بعد، وتدفع بضرورتها
الداخلية نحو فلسفة تليها تستوعبها وتتجاوزها. وهذا هو المعنى الوحيد –حسب هيجل-
الذي يمكن ان يكون لتاريخ الفلسفة. إنه ليس إذن متحفا للاراء المتناثرة بل مسار
العقل وهو يصير ما هو.
« Les différentes philosophies se sont
non seulement contredites, mais aussi réfutées ; on peut donc poser la
question : Quelle est alors la signification de cette réfutation
réciproque ? (…) Il n’y a de réfutable que cette proposition qu’un aspect
ou une forme concrète quelconque de l’idée passe pour la forme suprême
maintenant et à toute époque. Elle l’a été en son temps ; mais en
concevant l’activité de l’esprit comme une évolution, elle descend et cesse de
l’être, n’est plus reconnue comme telle et regardée en quelque sorte de façon à
n’être qu’un moment du degré suivant. Le contenu n’a pas été réfuté. La
réfutation ne fait que mettre à un rang inférieur une détermination, en la
subordonnant. Ainsi ne s’est perdu aucun principe philosophique, mais tous les
principes se sont conservés dans ce qui a suivi. Ils n’ont fait que modifier la
place qu’ils occupaient. » (Ibid. p : 149)
الان هيجل يعود الى مواجهة الاشكالية الاولى التي سبق له ان اشار اليها
(تعدد الفلسفات دليل على عبثية الفلسفة وتاريخها) محاولا الاجابة عن هذا الاشكال
على نحو نظري أعمق. بل وحتى الاشكال المواجه يعبر عنه هيجل هذه المرة على نحو
أعمق: إذا كانت كل فلسفة تتناقض بل وتدحض فلسفة اخرى (الدحض والتناقض المتبادل) أ
لا يعني هذا انه ما من تراكم ممكن في تطور تاريخ الفلسفة؟ وأنه لا يمكن بلوغ
الحقيقة؟
هيجل يقول لنا ان ما يكون موضوعا للدحض في تاريخ الفلسفة هو ادعاء فلسفة ما
بأنها الصورة العليا او الشكل الارقى لعصر ما. موضوع الدحض اذن هو ادعاء المطلق من
قبل فلسفة جزئية معينة. أما المبدأ الفلسفي ذاته، اي الحقيقة التي توصلت اليها هذه
الفلسفة في عصرها فلا يدحض وانما يحفظ ويستوعب في الفلسفات اللاحقة، وهذا ما يجعل
التقدم والتراكم ممكنا في تاريخ الفكر.
إذن كل فلسفة في التاريخ هي وجود هنا (دازاين) للفكرة، تعبير جزئي عن
الفكرة في زمان ومكان معينين. وحين تتعرض هذه الفلسفة الى الدحض فهي لا تمحى بل
تتحول من وجود هنا الى وجود في الذات في الفلسفة التالية (اي تعود الى an sich être en soi) لكن على مستوى أعلى ومدمجة في بنية أشمل.
والفلسفة التالية هي بدورها وجود هنا جديد واغنى من سابقه (اكثر ملموسية وعيانية).
وعلى هذا النحو يتقدم التاريخ لا بالالغاء المطلق وانما من خلال التطور التصاعدي
الاستيعابي. لا شيء يضيع. كل شيء يعاد انتاجه في مستوى اعلى من التركيب.
« La fleur, par exemple, est la
réfutation des feuilles ; elle parait être l’existence suprême, véritable
de l’arbre ; mais la fleur est réfutée par le fruit. Le fruit qui vient en
dernier lieu renferme tout ce qui l’a précédé, toutes les forces qui se sont
développées antérieurement. Il ne peut parvenir à se réaliser sans être précédé
par les degrés antérieurs. Les degrés se séparent dans les existences
naturelles ; car la nature, d’une manière générale, est la forme de la
division. Cette succession, cette réfutation existe aussi dans l’esprit, mais
les degrés précédents demeurent dans l’unité. La dernière, la plus récente
philosophie doit donc contenir les principes des philosophies antérieures, elle
est donc la philosophie supérieure. » (Ibid. p : 150)
الأوراق هنا هي الوجود في الذات (être en soi)، الزهرة
نفي ودحض للأوراق بحيث تتساقط هذه الاخيرة فتبدوا الزهرة كما لو أنها الوجودالاسمى.
الثمر هو هنا التحقق الكامل. هذه الدرجات هي منفصلة في الطبيعة، اي ان التعاقب هنا
يكون اقصائيا: كل مرحلة تنفي السابقة فتأخذ مكانها. أما في الروح فالامر مختلف:
الفلسفة اللاحقة لا تزيح السابقة بل تستوعبها. وهذا هو الفارق الجوهري بين تاريخ
الطبيعة او التاريخي الطبيعي وتاريخ الفلسفة، الاول يتميز بالتعاقب المنفصل
والثاني بالتعاقب المتراكم.
« La détermination par exemple de la
philosophie atomistique, c’est que l’atome est l’absolu, l’indivisible,
l’un : dans sa détermination suivante, c’est l’individuel ;
déterminé plus précisément encore, c’est le subjectif. » (Ibid.
p : 151)
هنا هيجل يأخذ الفلسفة المادية الذرية القديمة (ديموقريطس بداية ثم أبيقور
لاحقا) ولا يتعامل معها بوصفها "فلسفة مدحوضة قديمة" بل بوصفها حلقة
ضرورية في تطور الفكر، أي كتحديد جزئي في مرحلة معينة. السؤال هو ما التحديد
الفلسفي التي تعبر عنه فكرة الذرة؟
في تحديدها الاول كانت الذرة هي المطلق (الواحد)، في الثاني صارت الفردي
وفي الثالث الذاتي. التحديد الاول هو التحديد الاكثر تجريدا، الواحد المطلق الغير
القابل للقسمة وللتعدد. لكن حينما نتقدم في التفكير ندرك انه ما كان مطلقا وغير
قابل للانقسام لا يشير فقط الى الوحدة المجردة بل الفردية ايضا، اي الوجود المتعين
المتميز عن غيره. هنا يبدأ المفهوم المجرد الاول باكتساب محتوى عياني، او بالتحقق
كوجود هنا: لم تعد الذرة مجرد "واحد" مجرد بل "فرد" له حدوج
تميزه عن الذرات الاخرى. هنا في التحديد الثاني ننتقل من الوجود في الذات الى
الوجود هنا، او بعبارة اخرى، ينتقل الفكر من تحديده المجرد الى التصور la notion. التحديد
الثالث، وهو التحديد الاكثر عيانية يكشف ان الفردي المتعين هو في نهاية المطاف
الذاتي أي أن مبدأ الوحدة الفردية الغير القابلة للانقسام هو في جوهره مبدأ
الذاتية. وهذا ما يربط الفلسفة الذرية بما سيتحقق لاحقا في تاريخ الفلسفة. وهذا
يجعلنا نستوعب لماذا اصر افلاطون على تركيز نقده على ذرية ديموقريطس من اجل نقد
اكثر فعالية لمبدأ أولية الفرد في فلسفة السوفسطائيين. حينما يقول ديوقريطس ان
الفرد الجزئي (الذرة) هو المطلق على مستوى الوجود-الطبيعة، وحينما يقر بروتاغوراس
ان "الانسان مقياس كل شيء"، اي ان الفرد الجزئي هو المطلق على مستوى
المعرفة والقيم، فإن كلاهما ينطلقان من تحديدان مختلفان لنفس المبدأ: الجزئي،
الفردي، كأساس أول. لهذا كان نقد افلاطون لديموقريطس بمثابة نقد للبنية التحتية
التي تجعل السوفسطائية ممكنة.
لكن هل يعني هذا ان أفلاطون قد ألغى مفهوم الفردي او الجزئي في دحضه
لديموقريطس والسوفسطائية؟
بتاتا. وهذا هو جوهر الرؤية الهيجلية لتاريخ الفلسفة. صحيح أن الذرة عند
افلاطون فرد مادي جزئي يقابلها المثال الذي هو الكلي الحقيقي. لكن المثال
الافلاطوني هو فرد من نوع اخر: فمثلا "الجمال في ذاته" هو وحدة لا
تنقسم، غير قابلة للاختزال الى جزئياتها المحسوسة، وهذا يعني ان بنية "الوحدة
الغير القابلة للانقسام" بقيت محفوظة، لكنها نقلت من مستوى المادة الى مستوى
الفكر. وهذا ما يمكننا ان نسميه بجدل الدحض والاستيعاب في تاريخ الفلسفة بالنسبة
الى هيجل.
« Tout principe de l’entendement est
unilatéral et ce caractère apparait en ceci que l’autre principe lui est
opposé. Or, cet autre principe est aussi unilatéral. La totalité, en tant
qu’unité qui les unit, ne s’y trouve donc pas ; elle existe en son entier,
que dans le cours de l’évolution. C’est ainsi que l’épicurisme s’oppose au
stoïcisme, de même la substance de Spinoza, comme unité absolue, à l’unité de
la monade de Leibniz, à l’individualité concrète. L’Esprit qui se développe
intègre aussi le côté exclusif d’un principe en faisant apparaitre
l’autre. La deuxième forme, forme
supérieure, de la négation consiste à unir en une totalité les diverses
philosophies en sorte qu’aucune ne demeure en son indépendance, mais que toutes
paraissent être les parties d’une philosophie unique. Leurs principes
s’unissent en devenant les éléments de l’Idée une ; ou encore ce ne sont
que les moments, les déterminations, les côtés de l’unique Idée. C’est là le
concret, qui unit les autres en soi et constitue la véritable unité de ces
déterminations. _ Il ne faut pas confondre ce concret avec l’éclectisme,
c’est-à-dire le simple assemblage de divers principes, de diverses opinions, et
pour ainsi dire de divers lambeaux pour faire un vêtement. Le concret est l’identité absolue, parfaite
de ces différences et non leur assemblage extérieur, de même que l’âme humaine,
d’une manière générale est le concret pour les âmes, en tant que l’âme végétale
est contenue dans l’âme animale et celle-ci à son tour dans l’âme humaine. _
L’histoire de la philosophie nous fera connaitre des nœuds (Knoten) de ce genre
où sont combinées ces particularités, ces philosophies. La philosophie de
Platon offre un exemple d’un tel nœud. Prenons les dialogues de Platon, nous
verrons que quelques-uns par leur caractère rappellent les Eléates, les autres
les pythagoriciens, d’autres Héraclite et toutefois la philosophie de Platon,
en combinant ces vieilles philosophies, en a transfiguré ainsi les
insuffisances. Ce n’est pas une philosophie éclectique mais une pénétration,
une union absolue, véritable de ces philosophies. Un autre nœud de ce genre est
la philosophie alexandrine que l’on a dénommée aussi bien néo-platonicienne,
néo-pythagoricienne, néo-péripatéticienne ; elle a en effet combiné ces
diverses philosophies opposées. » (Ibid. p : 153-154).
الجملة الافتتاحية في هذا النص تعلن مبدأ منهجيا بالغ الأهمية: كل مبدأ من
مبادئ الفهم هو بالضرورة أحادي الجانب. وهذا ليس بسبب قصور مفكريه، بل لأن الفهم
بطبيعته (التثبيت والفصل) يأخذ جانبا من الحقيقة ويطلق عليه المطلق. حينما يفكر
الانسان بواسطة الفهم Verstand فهو يفكر من موقعه الجزئي-الفردي،
فلا يرى إلا جانبا واحدا، فرد محدود في زمن محدد وفي سياق ثقافة محددة وتجربة
محدودة. وبالتالي فإن أحادية الفهم هي انعكاس مباشر لمحدودية الفرد بوصفه فردا.
أما العقل Vernunft فلا يحيل الى تفكير الفرد بل تفكير الروح Esprit[3]، وهنا الروح ليست مجموع الافراد ولا روح
جماعية بالمعنى الرومانسي، بل هي الكلي الفاعل الذي يتجلى عبر الافراد دون ان
يختزل فيهم, الروح تفكر في التاريخ كله، عبر كل الفلسفات المتعاقبة _ وما يبدو
للفرد "تناقضا" بين سبينوزا ولايبنيز على سبيل المثال هو من منظور الروح
لحظتان ظروريتان في مسار تعرفعا على ذاتها.
فالكلية اذن لا توجد في احد الطرفين الاحاديين بل في مسار التطور وحده، مما
يعني انه لا سبينوزا ولا لايبنيز يملكان الحقيقة كاملة. الحقيقة (او الكلي
العياني) موجودة في الحركة نفسها التي
تستوعب التناقض وتنتجه في نفس الوقت، اي في تلك الفلسفة التي ستأتي بعدهما وتحمل
مبدأيهما كلحظتين ضروريتين في وحدة أعلى. لكن، وهنا نصل الى أدق مقطع في النص،
لابد من التمييز بين الكلية العيانية في معناها الهيجلي وبين النزعة التلفيقية.
الاولى تستوعب بوصفها "الهوية المطلقة للاختلافات"، أي أنها لا تقوم
باعادة انتاج التعارضات والاختلافات بين المبادئ المتناقضة من الخارج، بل من
الداخل بوصفها لحظات ضرورية في بنية واحدة, وبالتالي فإن الفوارق والاختلافات لا
تختفي بل تحفظ كتحديدات داخلية للكل. وهذا هو نقيض التلفيقية éclectisme التي تقدم
مجموعا لا وحدة وتراكما بدون تركيب.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم العقدة Knoten/ nœud او الفلسفات المفاصل. وهو احد المفاهيم
الاجرائية المهمة من اجل قراءة تاريخ الفلسفة. فالعقدة هنا هي الفلسفة التي تشكل
نقطة تضافر وتركيب لما سبقها، لا مجرد اضافة جديدة في السلسلة. العقدة هي ايضا
نقيض التلفيقية بهذا المعنى. وهيجل يقدم لنا في هذا السياق مثالين. الاول يتعلق
بفلسفة افلاطون التي تجمع في وحدة فلسفة الايليين (الكلي الثابت، الوجود الواحد)،
فلسفة الفيتاغوريين (العدد والبنية الرياضية) وفلسفة هيراقليطس (الصيرورة
والحركة). الوجود الايلي يستحيل مع افلاطون خاصا بعالم المثل، والصيرورة
الهيراقليطية تستحيل مبدأ عالم الظواهر المحسوسة، والبنية الفيتاغورية تستحيل
تعبيرا عن العلاقة الرياضية بين العالمين. اذن، كل مبدأ من هذه الفلسفات لم يضع بل
تغير موضعه. أما المثال الثاني فهو الفلسفة الاسكندرانية (الافلاطونية المحدثة)،
اي تلك العقدة التي تجمع في بنيتها الافلاطونية، الفيتاغورية والارسطية.
« Nous avons dit : la raison est
une et cette rationalité une, un système, et c’est pourquoi l’évolution des
déterminations de la pensée est également rationnelle. Les principes généraux
apparaissent selon la nécessité de la notion fondamentale. La position des
précédents est déterminée par ce qui suit. Le principe d’une philosophie
tombe dans la suivante au rang d’un moment. Une philosophie ne se réfute pas,
ce n’est que sa position qui se réfute. Ce sont les feuilles qui sont d’abord
le mode d’existence le plus élevé de la plante, puis le bouton, le calice[4], qui devient ensuite
l’enveloppe au service du fruit, c’est ainsi que le premier élément est mis par
le suivant à un rang inférieur. La réfutation est nécessaire pour que le fruit
apparaisse qui en lui réunit tout. » (Ibid. p : 154)
وها هنا يصل هيجل الى المبدأ الذي كان يعدنا له: وحدة العقل وعقلانية
التطور. مبدأ العقل واحد لا يعني ان الفلسفات المتعددة تقول نفس الشيء او نفس
الفكرة، بل يعني ان ما يتطور عبرها و عقل واحد يتعرف على ذاته تدريجيا عبر تحديدات
متصاعدة. وهذا ما يجعل تاريخ الفلسفة علما وليس مجرد سرد.
وحينما يقول هيجل في النص السابق ان موضع السابق يتحدد بما يليه فهذا معناه
اننا لا نفهم الذرية إلا بعد افلاطون، ولا نفهم افلاطون الا بعد ارسطو، وهذا يؤكد
على ان الفلسفة اللاحقة لا تدحض وتلغي السابقة، بل تكشف معناها الكامل الذي لم يكن
مرئيا من داخلها. ولهذا التحديد نتيجة مهمة فيما يخص تاريخ الفلسفة: فهذا الاخير
لا يقرأ إلا للخلف: اي ننطلق دائما من الحاضر نحو الماضي. من الثمر نحو الاوراق.
لا العكس. الفيلسوف الاحدث (او الفلسفة الاحدث) وحدها تملك مفتاح فهم الفيلسوف
السابق. الحاضر هو الذي يملك مفتاح فهم الماضي وليس العكس.
الان ما هي النتائج والخلاصات التي يمكننا ان نصل اليها فيما يخص منهاج
تاريخ الفلسفة من منظور هيجل؟ فإذا كان تاريخ الفلسفة هو تاريخ تطور العقل الواحد
عبر تحديداته الضرورية، واذا كانت الفلسفات تتعاقب وفق ضرورة داخلية، فكيف ندرس
هذا التاريخ؟ وفي هذا السياق سيقدم هيجل نقده للتاريخانية المجردة.
« Une
troisième conséquence de ce qui a été dit, c’est que nous n’avons pas affaire à
du passé, mais à la pensée, à notre propre esprit. Ce n’est donc pas en
réalité une histoire, ou bien c’est une histoire qui en même temps n’en est pas
une ; car les pensées, les principes, les idées qui s’offrent à nous
sont du présent ; ce sont des déterminations de notre propre esprit. Ce
qui est historique, c’est-à-dire du passé, n’est plus, est mort. La tendance
historique abstraite qui s’occupe d’objets inanimés s’est fort répandue en
ces derniers temps. C’est un cœur défunt qui trouve sa satisfaction à s’occuper
de ce qui est mort, des cadavres. L’esprit vivant dit : Laissez les
morts enterrer leurs morts et suivez-moi[5].
Les pensées, les vérités, les connaissances que je ne possède que sous forme
historique sont hors de mon esprit, c’est-à-dire mortes pour moi ; ma
pensée, mon esprit n’y sont pas ; mon for intérieur est absent. La
possession de connaissances purement historiques ressemble à la possession
juridique de choses dont je ne sais que faire. Si l’on se satisfait de
savoir simplement ce que tel ou tel a pensé, ce qui est transmis, alors on se
transmet aussi soi-même, en renonçant à ce qui fait que l’homme est homme, à la
pensée. On ne s’occupe dans ce cas que de la pensée et de l’esprit d’autrui, on
étudie que ce qui a été vérité pour autrui. Ce qu’il faut c’est penser par
soi-même. Si l’on ne s’occupe qu’historiquement de théologie, en apprenant par
exemple ce que des conciles, des hérétiques et ceux qui ne l’étaient pas ont
pensé de la nature de Dieu, on peut sans doute avoir des idées
édifiantes ; mais on ne possède pas le véritable esprit. Pour l’avoir
point n’est besoin d’érudition théologique. Quand la tendance historique est
prépondérante dans une période, on peut admettre que l’esprit est en proie au
désespoir, qu’il est mort, qu’il a renoncé à se satisfaire lui-même, autrement
il ne s’occuperait pas d’objets qui sont morts pour lui. » (Ibid. p :
156/157)
يسمي هيجل هنا هذا المقطع ب"النتيجة الثالثة" مما سبق.
والنتيجتان الاوليتان التي بنيناهما هما: لا شيء يضيع في تاريخ الفلسفة (المحتوى
محفوظ والدحض يستهدف الموضع لا المبدأ) ثم القول بأن الفلسفة الاحدث هي الاعلى
لأنها تستوعب ما سبقها. أما النتيجة الثالثة التي يكشفها هذا النص فتشير الى ان تاريخ
الفلسفة ليس تاريخا بالمعنى الارشيفي بل هو الحاضر نفسه يتعرف على ذاته في مساره.
إنه "التاريخ الذي هو في ان واحد ليس تاريخا". وهذه هي النتيجة
المنطقية لكل ما سبق لنا ذكره. فإذا كانت مبادئ الفلسفات السابقة لا تمحى بل تبقى
لحظات حية في الفلسفة اللاحقة – مبدأ الذرية حاضر في افلاطون، مبدأ أفلاطون حاضر
في ارسطو ومبدأ هذا الاخير حاضر عند هيجل- فإن الماضي هنا ليس ماضيا بالمعنى
الحقيقي بل هو البنية الداخلية للحاضر. وعلى هذا النحو يكون تاريخ الفلسفة ليس
سردا لما مضى بل تشريحا وتفكيكا للحاضر.
وعلى هذا النحو، نجد عند هيجل تمييزا بين نمطين من التعامل والاشتغال
بتاريخ الفلسفة: النزعة التاريخية المجردة ونقيضها النزعة التاريخية العيانية.
فالأولى تتعامل مع الفلسفات الماضية كموضوعات "ميتة وجامدة" ومجمل عملها
يكون متمحورا حول التجميع، التصنيف، النقل والتوثيق. "قلب ميت يجد رضاه في
الانشغال بما هو ميت". والمؤرخ الذي يشتغل وفق هذا المبدأ فيما يخص تاريخ
الفلسفة يعرف دون ادنى شك ما قاله افلاطون لكن هذا الاخير لا يسكن في روحه. أما
التاريخانية العيانية فتتعامل مع الفلسفات الماضية ك "تحديدات روحنا
نحن" أي ترى فيها البنية الداخلية لفكرها. في هذه الحالة لا يدرس المؤرخ
افلاطون بوصفه ظاهرة تاريخية غريبة بل بوصفه لحظة في حركة العقل الذي هو نفسه جزء
منه.
على سبيل المثال، من يعرف ما قرره مجمع نيقية وما قاله هراطقة أريوس فيما
يخص طبيعة المسيح- يمتلك معرفة تاريخية غزيرة. لكن هذه المعرفة لا تمنحه
"الروح الحقيقية"، أي الفهم الفلسفي الحي لما تعنيه هذه الخلافات
كتحديدات للفكر الديني الانساني. إن النزعة التاريخية المجردة، حينما تكون مهيمنة
في حقبة ما –كما يقول هيجل- فيمكننا ان نستنتج ان اليأس قد استحوذ على روح هذه
الحقبة. مما يعني ان الحقب التاريخية التي يكون فيها الروح منشغلا بالارشفة والنقل
والتوثيق بدلا من التفكير الحي، فهذا يدل على ان الروح فقد الثقة في قدرتها على
انتاج معرفة جديدة فتلجأ بالتالي الى الماضي كملاذ.
إن هذا النقد الذي يوجهه هيجل الى النزعة التاريخية المجردة هو بالنسبة
الينا بمثابة الجسر الذي سيوصلنا الى بحث وفحص رؤية هيجل فيما يخص منهاج تاريخ
الفلسفة. كيف نقرأ إذن هذا التاريخ قراءة حية لا ميتة؟ وبأي موقف ينبغي ان يقف
الفيلسوف من مادته التاريخية؟
خاتمة:
وصلنا في نهاية هذه المحاضرة الاولى إلى نتيجة ثلاثية الأوجه بنيناها خطوة
خطوة مع هيجل:
الأولى: لا شيء يضيع في تاريخ الفلسفة — ما يدحض هو الموضع لا المبدأ،
الصورة الجزئية لا المحتوى الفلسفي الذي يحفظ ويستوعب في الفلسفة اللاحقة.
الثانية: الفلسفة الأحدث هي الأعلى — لا لأنها أحدث زمنا بل لأنها تستوعب
ما سبقها وتحمله في داخلها كلحظات ضرورية، كما يحمل الثمر في داخله قوى الأوراق
والبرعم والسبالة.
الثالثة: تاريخ الفلسفة ليس ماضيا بالمعنى الأرشيفي — هو الحاضر نفسه يتعرف
على ذاته عبر مساره. ولهذا فإن الانشغال التاريخي المجرد بالفلسفة — ذلك القلب الميت
الذي يجد رضاه في الانشغال بالجثث — هو في نظر هيجل علامة يأس الروح من ذاتها لا
علامة سعة الاطلاع.
لكن هذه النتائج الثلاث تفتح فورا على سؤال لم نجب عنه بعد: إذا كان تاريخ
الفلسفة يجب أن يُقرأ قراءة حية لا ميتة، فبأي منهاج؟ وبأي موقف ينبغي أن يقف
الفيلسوف من مادته التاريخية؟
هذا هو بالضبط ما سيشغلنا في المحاضرة الثانية — منهاج هيجل في قراءة تاريخ
الفلسفة. وسنكتشف هناك أن المنهاج عند هيجل ليس "طريقة من الخارج تطبق على
مادة" — كما يُوهم المفهوم الأداتي الشائع للمنهج — بل هو نفس الحركة الجدلية
التي تطورت بها الفلسفات ذاتها، مُستعادة الآن بوعي فلسفي كامل.
وفي هذا السياق ستطرح إشكالية فلسفية وسياسية في آنٍ واحد: كيف تعامل هيجل
مع فلسفات الشرق؟ وما الذي يكشفه هذا التعامل عن حدود منظومته — تلك الحدود التي
رصدها إيلينكوف بدقة حين أشار إلى أن هيجل، كأفلاطون قبله، وقع في فخ المثالية:
أخذ نتاج النشاط الاجتماعي التاريخي لحضارة بعينها وأعلنه معيارا كونيا لتاريخ
الإنسانية كلها. وسنرى كيف يمكن نقد هيجل من داخل هيجل نفسه — إذ المبادئ التي
وضعها هو (الدحض يستهدف الموضع لا المبدأ، والروح تتعرف على ذاتها عبر التاريخ كله
لا عبر تاريخ حضارة واحدة) كافية لتفكيك مركزيته الاوروبية وتجاوزها.
دعوا الموتى يدفنون موتاهم — والفكر الحي يتبع هيجل إلى حيث يتجاوز هيجل.
[1] : نعتمد في
هذه الدراسة على الترجمة الفرنسية التي انجزها ج. جيبلان وسنشير الى النصوص
الاساسية الواردة في هذه الترجمة كما وردت فيها دون ترجمة. وذلك لأن عملية ترجمة
هيجل الى اللغة العربية ليست بالعملية الهينة. فما يسميه هيجل باللغة الالمانية
التأملية يطرح هنا بقوة. هذه اللغة تملك نظاما صرفيا يسمح بتكوين أفعال تأملية
بسهولة Sich denken, sich wissen, sich entwickeln وهيجل يستغل
هذه الامكانات اللغوية استغلالا فلسفيا واعيا. وفي الترجمات الفرنسية لهيجل عادة
ما يلجأ المترجم إلى ما يعرف بالافعال الضميرية les verbes pronominaux: (se penser, se savoir, etc.) في محاولة منه لمحاكاة هذه البنية
الصرفية الالمانية التي تجعل الفعل والفاعل والمفعول به شيئا واحدا. لكن جوهر
القضية هنا فلسفي وليس لغوي. هذه الافعال الضميرية التي عادة ما يلجأ إليها
المترجم الفرنسي في ترجمته لهيجل تعبر اساسا عن البنية الاساسية للمطلق عند هيجل: أن
يكون الفاعل والمفعول به شيئا واحدا. في المفهوم الهيجلي للفكر على سبيل
المثال، نجد ان الفكر ليس فاعلا يتجه نحو موضوع خارجي عنه، وانما موضوعه هو ذاته،
ومن هنا تكون الاولية للفعل « se penser » . ونفس الامر ينطبق هذا ايضا على
المعرفة (se savoir) وعلى التطور (se développer) . جميع هذه
الافعال الضميرية تعبر عن ما يسميه هيجل بالانعكاس réflexion او التأمل spéculation. وهو ما سبق لنا ان كشفنا عن اهميته فيما يخص
علم المنطق عند هيجل. أين تكمن المشكلة تحديدا بالنسبة الى اللغة العربية؟ حينما
نترجم se penser ب "يفكر في ذاته"، فإن "في
ذاته" هنا قد يستوعب كترجمة ل an sich (الوجود في
الذات) وهو مصطلح هيجلي تقني محدد يعني شيئا اخر تماما: الامكان الغير المتحقق او
البذرة قبل تطورها. فتختلط على القارئ العربي لحظتان فلسفيتنان مستقلتان: الاولى
هي البنية الانعكاسية للعقل او الفكر (يتخذ ذاته موضوعا) والثانية هي لحظة الوجود
في الذات، او الوجود بالقوة بلغة ارسطو.
[2] : وهنا لابد من التوضيح الاتي: اننا
حينما نعود الى هيجل وخاصة الى كتابه "موسوعة المنطق" نجد الجملة
التالية: "إننا نتفق جميعا على اعتبار ان موضوع المنطق هو الفكر"، أي
أنه الفكر وهو يتفكر ذاته. لنلاحظ في البدء انه ما من جديد هيجلي في هذا التعريف.
فهذا التعريف هو التعريف الكلاسيكي للمنطق. ولكن هيجل يطرح بعد ذلك التساؤل
التالي: ما هو الفكر؟ فنجده أنذاك يعتبر، التصور الفلسفي الذي ينظر الى الفكر
باعتباره قدرة او ملكة على غرار قدرات الفرد الانساني الاخرى (الذاكرة، السمع،
النظر، الرؤية الخ) من اجل تمثل الموضوعات، تصورا عقلانيا ولكنه غير كاف. وذلك لأن
هيجل يعتبر ان هذا التعريف يتضمن مقدمة منطقية مشكوك في صوابها، وهذه المقدمة
تتعلق بتعريف الفكر باعتباره "مونولوج" داخلي او خطاب داخلي. ومن هنا
الحكم انه ما من دراسة ممكنة للفكر الا من خلال دراسة شكله التعبيري الخارجي
(الرمز، المصطلح، الملفوظ). فإذا كنا نعرف الفكر كقدرة فإننا نفترض أن الفكر لا
يمكن ان يدرس الا من خلال شكله التعبيري، ويستحيل التفكير عملية تعرف باعتبارها
حسابا وقياسا للالفاظ. وهذا التصور، الذي يشكل موضوع النقد الهيجلي، ان أردنا نضعه
ضمن تيار تاريخي فلسفي فسنضع التيار الممتد منذ السوفسطائية مرورا بالرواقيين والى
غاية النزعة الوضعية الجديدة. وبوضوح نقول انه التصور الذي يهيمن على افكار
الوضعيين الجدد.
وعلى هذا النحو، يختفي المنطق بتاتا من مجال البحث والنظر.
وعوض دراسته الجادة ندرس "اللغة": لغة العلم، لغة الفن، إلخ. وكل ما لا
يدخل ضمن مفهوم اللغة يتم وضعه في خانات ومجالات اخرى: علم النفس، الابستيمولوجيا
إلخ. وهكذا يتحول المنطق الى جزء تابع لعلم اللغة، العبارة. وكل هذا يشكل حجر
الزاوية للفهم الوضعي الجديد لمشكلة المنطق والفكر، والذي ينتقده هيجل، من خلال
تحليله للفكر.
إن المنطق الوضعي الجديد لا علاقة له تقريبا بالفكر
الانساني الحقيقي. فهذا الاخير يبدوا من منظور الاول "غير منطقي". لا
يمكن للمنطق ان يكون علم القوانين الواقعية للفكر الانساني، وفي افضل الحالات،
يتحول الى نظام من القواعد التي ينبغي اتباعها. والاكثر من ذلك، أن هذه القواعد
يمكن تغييرها واستبدالها على نحو اتفاقي. وعلى هذا النحو يفقد المنطق كل حق في
القيمة الموضوعية لقواعده، وكل حق في ان تكون قواعده مستقلة عن الارادة ووعي الافراد،
وكل حق في الكونية والضرورية.
كل هذه النتائج السلبية –وهنا تكمن اهمية هيجل- متضمنة في
الفكرة الاولية التي تعرف الفكر كقدرة على غرار باقي القدرات النفسية للفرد. ضد
هذا التصور يتساؤل هيجل:
من قال بأن الفكر لا يمكن ان يعبر عن نفسه الا من خلال
الكلمات؟ ومن الذي أقر بأن الكلام هو الشكل الوحيد لظهور القدرة على التفكير،
والتي في شكلها يمكن للفكر ان يسجل ويدرس في مساره المنطقي ؟ أ لا يقوم الانسان من
خلال أفعاله الواقعية بالتصرف كموجود مفكر؟ هل يتصرف الانسان كموجود مفكر وكذات
مفكرة فقط من خلال فعل الكلام؟
إن الفكر الذي يتحدث عنه هيجل يتجلى في الافعال الانسانية
على نحو ليس اقل وضوحا من تجليه في الكلمات، الالفاظ والتعابير التي يقدسها
ويعبدها الوضعيون الجدد. بل والاكثر من ذلك، ان الانسان يستكشف قدرته على التفكير
على نحو اكثر ملائمة من خلال أفعاله الواقعية، ومن خلال تشكيله لأشياء العالم
الخارجي.
إن الأفعال اذن، وبالتالي ايضا نتائجها، ينبغي ان تدرس من
منظور هيجل كأشكال خارجية لضبط الفكر،
وباعتبارها افعال تحيل الى وجود القدرة على التفكير. وفي المنطق باعتباره علما، من
المهم التمييز بين الكلمات والافعال، ومقارنة الافعال الواقعية مع الاقوال
والتصاريح الكلامية التي تخص موضوع تلك الافعال، لأن هذا التمييز يبين عدم ملائمة
التعبير اللفظي والكلامي للفكر عن نفسه مع الفكر الواقعي.
راجع محاضرتنا على اليوتوب "المنطق، الفكر واللغة عند
هيجل".
[3]: لكن علينا ان نعطي لمفهوم الروح
محتواه الاجتماعي الملموس الذي غلفه هيجل بعابارات لاهوتية. الفرد حينما يفكر
انطلاقا من موقعه الجزئي فهو يفكر بالفهم، لكن هذا الموقع الجزئي هو بالضبط موقع
الفرد قبل ان تكونه الثقافة، التربية والمؤسسات الاجتماعية. هذا هو إنسان
السوفسطائية وذرة ديموقريطس: الفرد الخام، الفرد المجرد من كل تحديد اجتماعي-
تاريخي. أما الروح فتفكر بالعقل لأنها تحمل في ذاتها منظومة المعايير والقيم
الكونية المتراكمة تاريخيا – اي ما يسميه إليينكوف الموضوعية الاجتماعية. الروح
الهيجلي ليس كيانا ميتافيزيقيا غامضا بل هو الثقافة الانسانية في كليتها
التاريخية، أي تلك المنظومة الموضوعية التي تتجاوز كل فرد وتكونه في ان واحد. لقد كان افلاطون ايضا واعيا تماما بهذه
الموضوعية. بحيث نجده في محاوراته يفكر في هذه الموضوعية –بل ولنقل يكتشفها قبل
هيجل- بوصفها مستوى مستقل من الواقع لا يمكن رده الى الطبيعة ولا الى الذاتية
الفردية. لا يمكننا على سبيل المثال ان نفسر او نستنتج الديمقراطية الاثينية من
دراسة الطبيعة، ونفس الامر ينطبق على نظام الطوائف المصرية. لكن كلا النظامان
موجودان بموضوعية حقيقية تكون الافراد وتحددهم. وهنا بالذات يكمن الدعم الواقعي
لفكرة اولية الكل على الفرد التي سبق لنا مناقشتها في سياق نقد افلاطون للذرية
والسوفسطائية: فالكل، ليس مجرد فكرة فلسفية مجردة، بل يجد اساسه في هيمنة المنظومة
الثقافية الاجتماعية الموضوعية على الفرد، وهي هيمنة حقيقية واقعية يعيشها كل
انسان. لكن أفلاطون وهيجل بعده قد أخطأوا في تفسير هذه الموضوعية الاجتماعية.
فبدلا من دراستها بوصفها نتاج النشاط الانساني الاجتماعي التاريخي (المؤسسات،
الممارسات، الثقافة المتراكمة) نجدهما يضفيان عليها طابعا مثاليا خالدا كأن المثل
موجودة في عالم مفارق ومستقل عن التاريخ والنشاط الانسانيين.
[4] : مجموع السبالات الصغيرة التي تغلف
البرعم وتحمي الزهرة قبل تفتحها، ثم تصبح غلافا في خدمة الثمر بعد الاخصاب. هيجل
يختار هذه الحلقة تحديدا لأنها تجسد بامتياز فكرة الوساطة: ليست زهرة بعد وليست
ثمرا بعد، بل اللحظة التي تجعل الانتقال من الزهرة الى الثمر ممكنا، اي لحظة
الوجود هنا في ابلغ صورها.
[5] : "دعوا الموتى يدفنون
موتاهم" هنا يستحضر هيجل العبارة الانجيلية (متى 8/22). المسيح يقول هذه
العبارة لمن طلب منه ان يؤجل اتباعه لدفن ابيه- أي أن الانشغال بالموتى لا ينبغي
ان يحول بين المرء وبين الحياة الفعلية. وهيجل ينقل الدلالة هنا الى تاريخ
الفلسفة. من يكتفي بنقل ما قاله الفلاسفة الاقدمون دون ان يفكر بنفسه فهو ينشغل
بجثث الافكار لا بروح الافكار الحية.
Commentaires
Enregistrer un commentaire